الرجعة في قانون الأحوال الشخصية اليمني

 الرجعة  في  قانون  الأحوال  الشخصية  اليمني

بعد أن نظم المشرع اليمني أحكام الطلاق الرجعي، أفرد تنظيماً مستقلاً للرجعة في المواد (75) إلى (78) من قانون الأحوال الشخصية، باعتبارها من أهم الآثار المترتبة على الطلاق الرجعي، إذ تمثل وسيلة شرعية وقانونية لإعادة الحياة الزوجية دون الحاجة إلى عقد أو مهر جديدين، متى تمت خلال العدة ووفقاً للشروط التي حددها القانون. ويقصد بالرجعة: إعادة المطلقة طلاقاً رجعياً إلى عصمة زوجها أثناء العدة، دون إبرام عقد زواج جديد، وبالطريقة التي رسمها القانون. وتقوم الرجعة على أساس أن الطلاق الرجعي لا يزيل رابطة الزوجية نهائياً، وإنما تبقى الزوجية قائمة حكماً طوال مدة العدة، ولهذا منح القانون الزوج حق مراجعة زوجته خلالها.
________

الأساس  القانوني  للرجعة  وشروط صحة الرجعة

استند المشرع اليمني في تنظيم الرجعة إلى المواد (77,76,75,68,67)  من قانون الأحوال الشخصية. فقد نصت المادة (68) على أن «الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، وللزوج أن يراجع زوجته خلال العدة، فإذا انقضت العدة دون مراجعة أصبح الطلاق بائناً بينونة صغرى.» كما نصت المادة (75) على أن «تتم الرجعة بالقول ولو هازلاً أو بالفعل غير مشروطة بوقت أو بغيره، وتصح بغير رضاء الزوجة وأوليائها.» ويستفاد من هذين النصين أن الرجعة ليست عقداً جديداً، وإنما هي استدامة للرابطة الزوجية التي لم تنقطع نهائياً بالطلاق الرجعي.
وأما عن شروط صحة الرجعة. فمن خلال استقراء نصوص القانون، يتبين أن الرجعة لا تكون صحيحة إلا إذا توافرت الشروط الآتية:

شروط  الرجعة  في  قانون  الأحوال  الشخصيةو اليمني

الشرط الأول: أن يكون الطلاق رجعياً
فالرجعة لا تكون إلا في الطلاق الرجعي. أما الطلاق البائن بنوعيه، فلا يقبل الرجعة. كما أن الخلع لا يقبل الرجعة لأنه طلاق بائن بنص المادة (74).
الشرط الثاني: أن تقع الرجعة أثناء العدة
الرجعة مقيدة بمدة العدة. فإذا انتهت عدة الزوجة قبل حصول الرجعة، انقضى حق الزوج فيها، وتحول الطلاق إلى بينونة صغرى، ولا تعود الزوجة إلا بعقد ومهر جديدين.
الشرط الثالث: صدور الرجعة ممن يملكها
وهو الزوج الذي وقع منه الطلاق الرجعي، أو من يقوم مقامه إذا أجاز القانون ذلك.
الشرط الرابع: ألا تكون الزوجة قد بانت بينونة كبرى
فإذا استكمل الزوج ثلاث طلقات، فلا رجعة له عليها، وإنما يشترط لتحل له أن تتزوج زوجاً غيره زواجاً صحيحاً ويدخل بها دخولاً حقيقياً ثم تنتهي العلاقة الزوجية الثانية وفق أحكام القانون.

________

صور  الرجعة في قانون الاحوال الشخصية اليمني

حدد المشرع اليمني وسائل حصول الرجعة في المادة (75)، وجعلها صورتين:
أولاً: الرجعة بالقول ويقصد بها كل لفظ يدل صراحة على إعادة الزوجة إلى عصمة زوجها.
ومن أمثلة ذلك - راجعت زوجتي. - أمسكت زوجتي. - أعدتك إلى عصمتي.وقد نصت المادة (75) على أن الرجعة بالقول تقع ولو كان الزوج هازلاً. ويترتب على ذلك أن الهزل لا يمنع صحة الرجعة إذا صدر اللفظ الصريح الدال عليها.
ثانياً: الرجعة بالفعل أجاز القانون حصول الرجعة بالفعل. والمقصود بذلك الأفعال التي تدل دلالة واضحة على استئناف الحياة الزوجية وفق ما استقر عليه الفقه الإسلامي الذي أخذ به القانون. ويترتب على الرجعة بالفعل جميع الآثار القانونية المترتبة على الرجعة القولية.
هل يشترط رضا الزوجة لصحة الرجعة؟ الجواب نصت المادة (75) عن هذا التساؤل بنص صريح جاء فيه «وتصح بغير رضاء الزوجة وأوليائها.» ويستفاد من هذا النص أن:
1- الرجعة حق خالص للزوج أثناء العدة.
2- لا يتوقف نفاذها على قبول الزوجة.
3- كما لا يشترط موافقة وليها.
وذلك لأن الزوجية ما زالت قائمة حكماً طوال مدة العدة في الطلاق الرجعي.
________

الإشهاد  على  الرجعة  والاختلاف في حصول الرجعة

حرص المشرع على توثيق الرجعة منعاً للمنازعات. فنصت المادة (76) على أن «إذا كانت الرجعة بالقول فيجب على الزوج الإشهاد عليها وإعلام الزوجة بها، فإن كانت مجنونة فإعلام وليها.» ويستفاد من هذا النص:
1- وجوب الإشهاد على الرجعة القولية.
2- وجوب إعلام الزوجة بحصول الرجعة.
3- إذا كانت الزوجة فاقدة للأهلية، وجب إعلام وليها.
ويهدف هذا التنظيم إلى منع النزاع حول حصول الرجعة أو إنكارها مستقبلاً، وحماية الحقوق المترتبة عليها.
وأما عن الاختلاف في حصول الرجعة. فقد يختلف الزوجان بعد انتهاء العدة حول حصول الرجعة. ولهذا نصت المادة (77) على أن «إذا اختلف الرجل والمرأة بعد انقضاء العدة على حصول الرجعة فالقول لمنكرها.» ويستفاد من هذا النص أن:
1- مناط تطبيقه هو وقوع النزاع بعد انتهاء العدة.
2- إذا ادعى أحد الزوجين حصول الرجعة وأنكرها الآخر، فإن القول يكون لمن ينكر الرجعة.
3- ويترتب على ذلك بقاء الأصل، وهو انتهاء الزوجية بانقضاء العدة ما لم تثبت الرجعة.
وهذا الحكم ينسجم مع القاعدة العامة التي تقضي بأن الأصل عدم وقوع التصرف حتى يثبت.
________

الدعاوى  المتعلقة  بالطلاق  في  قانون  الأحوال الشخصية اليمني
يعد الطلاق من أكثر موضوعات الأحوال الشخصية تداولاً أمام المحاكم اليمنية، ولا تقتصر المنازعات القضائية على إثبات وقوع الطلاق أو إنكاره، وإنما تمتد إلى جميع الآثار التي تترتب عليه، كالرجعة، والعدة، والنفقة، والحضانة، والنسب، وغيرها. ولهذا تنظر محاكم الأحوال الشخصية بصورة مستمرة في دعاوى متعددة يكون الطلاق سبباً مباشراً أو غير مباشر لها، وتخضع جميعها لأحكام قانون الأحوال الشخصية وقانون المرافعات والتنفيذ المدني. ومن أبرز الدعاوى التي يكثر نظرها أمام القضاء اليمني:
أولاً: دعوى إثبات الرجعة أثناء العدة
وهي الدعوى التي يرفعها الزوج أو الزوجة إلى المحكمة بطلب إثبات حصول الرجعة أثناء عدة الطلاق الرجعي، إذا وقع خلاف بينهما حول حصولها أو تاريخها أو صحتها، وذلك حتى تترتب آثارها القانونية. وتستند هذه الدعوى إلى نصوص المواد (77,76,75,68,67) من قانون الأحوال الشخصية، التي نظمت أحكام الرجعة وكيفية حصولها وآثارها. ويشترط لهذه الدعوى ما يأتي:
1- وجود طلاق رجعي فلا تقبل الدعوى إذا كان الطلاق بائناً بينونة صغرى أو كبرى أو كان خلعاً؛ لأن الرجعة لا تكون إلا في الطلاق الرجعي. لأن المحكمة قد تقبل الدعوى شكلاً ثم ترفضها موضوعاً.
2- حصول الرجعة أثناء العدة إذ إن حق الزوج في الرجعة ينقضي بانتهاء العدة، فإذا انتهت العدة قبل حصول الرجعة تحولت الفرقة إلى بينونة صغرى، ولا يبقى محل لدعوى إثبات الرجعة.
3- وجود نزاع حول حصول الرجعة فإذا كان الزوجان متفقين على حصولها فلا تكون هناك حاجة إلى رفع الدعوى.
4- إقامة الدليل على حصول الرجعة ويكون ذلك بجميع وسائل الإثبات المقررة قانوناً، كالإقرار أو شهادة الشهود أو المستندات أو غيرها من وسائل الإثبات المقبولة.
5- وجود مصلحة قانونية كأن يترتب على إثبات الرجعة استمرار الزوجية أو ثبوت النفقة أو الإرث أو غير ذلك من الآثار.
ثانياً: دعوى إثبات الطلاق عند إنكار أحد الزوجين وقوعه
وهي الدعوى التي يرفعها أحد الزوجين إلى المحكمة بطلب إثبات وقوع الطلاق، إذا ادعى أحدهما حصوله وأنكر الطرف الآخر ذلك، حتى تفصل المحكمة في قيام الطلاق وترتب آثاره القانونية. وتعد هذه الدعوى من أكثر دعاوى الأحوال الشخصية تداولاً أمام المحاكم اليمنية، ولا سيما عندما يقع الطلاق شفوياً خارج المحكمة. ويشترط لهذه الدعوى ما يأتي:
1- ادعاء وقوع الطلاق فلا تقبل الدعوى ما لم يدع أحد الطرفين أن الطلاق قد وقع فعلاً.
2- إنكار الطرف الآخر إذ لا محل للدعوى إذا كان وقوع الطلاق محل اتفاق بين الزوجين.
3- أن يكون الطلاق مما يجيز القانون إثباته أي أن يكون قد صدر ممن يملك إيقاعه، واستوفى الشروط المقررة قانوناً.
4- تقديم وسائل الإثبات القانونية ويجوز إثبات الطلاق بالإقرار أو البينة أو غيرها من وسائل الإثبات المعتبرة وفقاً للقانون.
5- وجود مصلحة قانونية كترتيب آثار الطلاق المتعلقة بالنفقة أو العدة أو الحضانة أو الإرث أو جواز الزواج.
ثالثاً: دعوى إثبات الطلاق الصادر خارج المحكمة
وهي الدعوى التي يرفعها أحد الزوجين بطلب إثبات الطلاق الذي وقع خارج المحكمة، سواء وقع باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة المفهومة للعاجز عن النطق أو بأي وسيلة يعتد بها القانون، وذلك لإثباته رسمياً وترتيب جميع آثاره القانونية. وتكثر هذه الدعوى في اليمن؛ لأن كثيراً من حالات الطلاق تتم خارج المحكمة ثم يحتاج أحد الزوجين إلى إثباتها أمام القضاء. ويشترط لهذه الدعوى ما يأتي:
1- أن يكون الطلاق قد وقع خارج المحكمة.
2- أن يكون الطلاق صحيحاً وفق أحكام قانون الأحوال الشخصية.
3- وجود نزاع أو حاجة إلى الإثبات القضائي كامتناع أحد الزوجين عن الاعتراف بالطلاق أو الحاجة إلى استخراج حكم قضائي يثبت الواقعة.
4- تقديم الأدلة التي تثبت وقوع الطلاق مثل شهادة الشهود أو الإقرار أو الكتابة أو غيرها من وسائل الإثبات المقبولة.
5- وجود مصلحة قانونية كالمطالبة بالنفقة أو إثبات العدة أو إثبات الحالة الاجتماعية أو ترتيب آثار الإرث أو الزواج.
رابعاً: دعوى  إثبات  تاريخ  وقوع  الطلاق
وهي الدعوى التي يرفعها أحد الزوجين إلى المحكمة بطلب تحديد وإثبات التاريخ الحقيقي الذي وقع فيه الطلاق، متى كان هذا التاريخ محل نزاع، وكان يترتب عليه أثر قانوني يتعلق بحقوق الزوجين أو الغير. وتعد هذه الدعوى من الدعاوى المهمة في القضاء اليمني؛ لأن كثيراً من الحقوق تتوقف على تحديد تاريخ الطلاق بدقة. ويشترط لهذه الدعوى ما يأتي:
1- ثبوت أصل وقوع الطلاق فإذا كان وقوع الطلاق ذاته محل نزاع، وجب الفصل في إثباته أولاً.
2- وجود خلاف حول تاريخ وقوع الطلاق إذ لا محل للدعوى إذا كان التاريخ متفقاً عليه بين الطرفين.
3- أن يترتب على تحديد التاريخ أثر قانوني كحساب مدة العدة، أو استحقاق النفقة، أو تحديد قيام التوارث أو سقوطه، وما يترتب على تحديد التاريخ من آثار تتعلق بالنسب.
4- تقديم الأدلة التي تحدد تاريخ الطلاق ويكون ذلك بجميع وسائل الإثبات المقررة قانوناً، كالإقرار أو الشهادة أو المحررات أو القرائن التي تطمئن إليها المحكمة.
5- وجود مصلحة قانونية قائمة ومباشرة بحيث يكون تحديد تاريخ الطلاق لازماً للفصل في حق من الحقوق المتنازع عليها.
________
وسائل  إثبات  الطلاق  أمام  القضاء  اليمني
لا يوجد في قانون الأحوال الشخصية اليمني طريق محدد لإثبات الطلاق، وإنما يخضع إثباته للقواعد العامة في قانون الإثبات الشرعي، ويجوز إثباته بجميع وسائل الإثبات التي يجيزها القانون، بحسب ظروف كل دعوى وما تطمئن إليه المحكمة. ومن أهم وسائل إثبات الطلاق أمام القضاء اليمني ما يأتي:
أولاً: الإقرار: ويعد أقوى وسائل الإثبات، فإذا أقر الزوج بوقوع الطلاق، كان إقراره حجة قاطعة عليه متى استوفى شروطه القانونية، عملاً بالمادة (87) من قانون الإثبات.
ثانياً: شهادة الشهود: ويجوز إثبات الطلاق بشهادة الشهود متى استوفت الشهادة شروطها القانونية، ولا سيما إذا وقع الطلاق شفوياً خارج المحكمة. وفقاً للشروط المقررة في قانون الإثبات.
ثالثاً: الكتابة: ويشمل ذلك المحررات الرسمية أو العرفية، أو أي كتابة تتضمن إقراراً صريحاً بوقوع الطلاق، مع مراعاة الأحكام المنظمة للأدلة الكتابية.
رابعاً: القرائن القضائية: وللمحكمة أن تستخلص من وقائع الدعوى وملابساتها القرائن التي تؤدي إلى الاطمئنان بثبوت الطلاق أو نفيه، متى كانت هذه القرائن قوية ومتساندة. وذلك وفق سلطتها التقديرية.
خامساً: اليمين: وذلك في الأحوال التي يجيز فيها قانون الإثبات توجيه اليمين أو ردها وفقاً للأحكام المنظمة لها. وتخضع جميع وسائل الإثبات لسلطة المحكمة في تقدير الأدلة، فلها أن تأخذ بما تطمئن إليه منها، وأن تطرح ما لا تقتنع به، على أن يكون حكمها مسبباً ومستنداً إلى الأدلة المطروحة في الدعوى وفقاً لأحكام القانون.
________
إثبات  الطلاق  والرجعة  أمام  القضاء  اليمني
الأصل في قانون الأحوال الشخصية اليمني أن الطلاق لا يشترط لصحته صدور حكم قضائي أو توثيقه أمام المحكمة، وإنما يقع متى صدر ممن يملك إيقاعه، واستوفى الشروط التي حددها القانون، سواء وقع باللفظ الصريح، أو بالكناية المقترنة بالنية، أو بالكتابة، أو بالإشارة المفهومة للعاجز عن النطق، وفقاً للمادة (58) من قانون الأحوال الشخصية. ولذلك فإن كثيراً من حالات الطلاق تقع خارج المحكمة، ثم يثور النزاع لاحقاً حول أصل وقوعه أو تاريخه أو نوعه أو آثاره، فيلجأ أحد الزوجين إلى القضاء لإثباته.
كما أن الرجعة لا يشترط لصحتها صدور حكم قضائي، وإنما تتحقق متى تمت وفق الأحكام المنصوص عليها في المواد (75) إلى (77) من قانون الأحوال الشخصية، سواء بالقول أو بالفعل أثناء العدة، إلا أن النزاع حول حصولها أو تاريخها أو صحتها قد يقتضي اللجوء إلى القضاء لإثباتها وترتيب آثارها القانونية. ويقتصر دور القضاء في هذه الحالات – في الأصل – على التحقق من قيام واقعة الطلاق أو الرجعة وصحتها وفق أحكام القانون، ثم إثباتها وترتيب آثارها القانونية، دون أن يكون الحكم القضائي منشئاً للطلاق أو الرجعة، لأن كليهما يعدان من التصرفات القانونية التي تنتج آثارها من تاريخ وقوعها متى استوفت شروطها القانونية، بينما يكون الحكم القضائي كاشفاً ومقرراً لها في الأصل. وتخضع دعاوى إثبات الطلاق والرجعة للقواعد العامة في الإثبات المنصوص عليها في قانون الإثبات الشرعي، فيجوز إثباتها بجميع وسائل الإثبات التي يجيزها القانون، كالإقرار، وشهادة الشهود، والكتابة، والقرائن، وغيرها من وسائل الإثبات المعتبرة قانوناً، وتقوم المحكمة بوزن الأدلة وترجيح ما تطمئن إليه وفقاً لسلطتها التقديرية.
أما عن عبء الإثبات في دعاوى الطلاق والرجعة
تخضع دعاوى الطلاق والرجعة للقواعد العامة في الإثبات، ويقع عبء الإثبات على عاتق من يتمسك بخلاف الأصل أو يدعي واقعة يترتب عليها أثر قانوني. ولذلك فإن الأصل بقاء العلاقة الزوجية واستمرارها حتى يثبت ما يزيلها أو يعدل من آثارها وفقاً للقانون. فإذا ادعى أحد الزوجين وقوع الطلاق وأنكره الآخر، فإن عبء إثبات وقوع الطلاق يقع على من يدعيه، لأنه يتمسك بواقعة مخالفة للأصل. أما إذا ثبت أصل الطلاق، ثم ادعى الزوج حصول الرجعة أثناء العدة وأنكرتها الزوجة، فإن عبء إثبات الرجعة يقع على الزوج؛ لأنها واقعة يدعيها لإثبات استمرار الزوجية وآثارها. وقد أكد قانون الأحوال الشخصية هذا المعنى في المادة (77)، إذ نص على أنه إذا اختلف الرجل والمرأة بعد انقضاء العدة على حصول الرجعة، فالقول لمنكرها، وهو ما يدل على أن مدعي الرجعة يتحمل عبء إثباتها، لأن الأصل بعد انتهاء العدة هو زوال حق الرجعة ما لم يثبت حصولها قبل انقضائها. وعليه، فإن المحكمة لا تقضي بإثبات الطلاق أو الرجعة بمجرد الادعاء، وإنما يجب على من يتمسك بأي منهما إقامة الدليل القانوني الذي يثبت دعواه، وفقاً للقواعد العامة في الإثبات.
________
حكم  الإقرار  بالطلاق  وحجيته  أمام  القضاء  اليمني
يعد الإقرار من أقوى وسائل الإثبات في القانون اليمني، بل يعد أقوى وسائل الإثبات؛ لما يتضمنه من اعتراف الشخص بحق يترتب عليه أثر قانوني في مواجهته. وقد نظم قانون الإثبات الشرعي أحكام الإقرار في المواد (78) إلى (96)، وجعل له حجية قاطعة متى استوفى أركانه وشروطه القانونية. وقد عرفت المادة (78) من قانون الإثبات الإقرار بأنه: «إخبار الإنسان شفاهاً أو كتابة عن ثبوت حق لغيره على نفسه.» ويستفاد من هذا النص أن الإقرار هو اعتراف يصدر من الشخص على نفسه، ويترتب عليه إلزامه بما أقر به متى كان صادراً عن إرادة معتبرة قانوناً. وبتطبيق ذلك على دعاوى الطلاق، فإن إقرار الزوج بوقوع الطلاق يعد من أقوى وسائل إثباته، فإذا أقر أمام المحكمة بأنه طلق زوجته، كان إقراره حجة عليه، متى توافرت شروط صحة الإقرار المنصوص عليها في القانون، وترتب على ذلك ثبوت الطلاق وآثاره القانونية بحسب نوعه وتاريخه. وقد بينت المادة (79) أن للإقرار أربعة أركان هي:
1- المقر. 2- المقر له.
3- المقر به.
4- صيغة الإقرار.
كما اشترطت المادة (80) لصحة الإقرار أن يكون المقر مكلفاً، أهلاً لأداء الحق المقر به، مختاراً، غير محجور عليه، وغير هازل، واستثنت من ذلك الطلاق والنكاح، وهو استثناء ذو أهمية خاصة في مسائل الأحوال الشخصية؛ إذ يدل على أن الهزل لا يمنع ترتيب الآثار القانونية في مسائل الطلاق والنكاح متى توافرت بقية الشروط المقررة قانوناً. واشترطت المادة (84) أن يكون الإقرار غير معلق على شرط، وأن يكون جازماً مفيداً في ثبوت الحق على سبيل اليقين، بما مؤداه أن الإقرار المحتمل أو المردد أو غير الجازم لا يصلح وحده لإثبات الطلاق. كما أوجبت المادة (85) الإشهاد على الإقرار الشفهي الذي يتم خارج مجلس القضاء، في حين قررت المادة (86) أن الإقرار الكتابي يخضع للأحكام الخاصة بالأدلة الكتابية. أما عن حجية الإقرار، فقد نصت المادة (87) صراحة على أن «الإقرار حجة قاطعة على المقر، ويجب إلزامه بما أقر به...»، وهو ما يعني أن الإقرار الصحيح يلزم صاحبه، ويعد دليلاً كاملاً في مواجهته، متى اقتنعت المحكمة بصحته واستوفى شروطه القانونية.
كما أجازت المادة (88) صدور الإقرار من الأخرس أو من يعجز عن النطق بالإشارة المفهمة أو بالكتابة، واستثنت حالات معينة لا يكون الإقرار فيها إلا بالنطق، وليس الطلاق من بينها، الأمر الذي يتفق مع أحكام المادة (58) من قانون الأحوال الشخصية التي أجازت وقوع الطلاق بالكتابة أو بالإشارة المفهومة للعاجز عن النطق.
ونصت المادة (92) على عدم صحة إقرار السكران إذا ذهب إدراكه، وهو حكم يتفق مع المادة (61) من قانون الأحوال الشخصية التي قررت عدم وقوع طلاق السكران إذا فقد الإدراك والتمييز.
كما قررت المادة (95) أن الأصل عدم تجزئة الإقرار على صاحبه، إلا في الأحوال التي نص عليها القانون، بينما أجازت المادة (96) الرجوع في بعض أنواع الإقرار، واستثنت من ذلك الإقرار بالطلاق البائن أو المكمل للثلاث، فلا يقبل الرجوع فيه وفقاً لما قرره القانون. ومن ثم، فإن الإقرار الصحيح الصادر ممن يملك الإقرار يعد من أقوى وسائل إثبات الطلاق أمام القضاء اليمني، وتلتزم المحكمة بالأخذ به متى استوفى أركانه وشروطه القانونية، ولم يقم مانع يمنع من الاعتداد به.
________
الخاتمة: يتضح من استقراء نصوص قانون الأحوال الشخصية اليمني أن المشرع لم ينظر إلى الطلاق باعتباره وسيلة عادية لإنهاء الحياة الزوجية، وإنما نظمه بضوابط دقيقة تحقق التوازن بين حق الزوج في إيقاعه، وبين حماية الأسرة وصيانة حقوق الزوجة والأولاد. ولذلك أحاط الطلاق بشروط وأحكام تتعلق بصحته، وصيغته، وأنواعه، وآثاره، والرجعة، والعدة، والنفقة، وغيرها من الأحكام التي تهدف إلى الحد من التعسف في استعمال هذا الحق وتحقيق الاستقرار الأسري. ويبرز من خلال النصوص القانونية أن التمييز بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن، وبين الطلاق الصريح والكناية، وبين الطلاق السني والبدعي، ليس مجرد تقسيم فقهي، بل يترتب عليه آثار قانونية مهمة تؤثر في حقوق الزوجين والتزاماتهما. ومن ثم فإن الفهم الصحيح لأحكام الطلاق يعد من المسائل الأساسية التي ينبغي أن يحيط بها القاضي والمحامي والباحث القانوني وكل من يتعامل مع قضايا الأحوال الشخصية، ضماناً لحسن تطبيق القانون وتحقيق العدالة وصيانة الحقوق.
والجذير بالذكر أن هذا المنشور يمثل اجتهاداً شخصياً في شرح أحكام الطلاق والرجعة في قانون الأحوال الشخصية اليمني، وقد اعتمدت فيه على نصوص القانون اليمني، مع الاستئناس ببعض الشروحات الفقهية والقانونية المقارنة لتوضيح المسائل التي لم يفصلها المشرع بنص صريح، مع الحرص على عدم مخالفة أحكام القانون اليمني. ولذلك فإن هذا الجهد قد يشوبه نقص أو سهو أو خطأ في الفهم أو التكييف، وأرحب بكل ملاحظة أو تصويب أو إضافة موثقة تسهم في إثراء هذا العمل وتصحيح ما قد يرد فيه من هفوات غير مقصودة. كما أن هذا المنشور هو ثمرة جهد شخصي في البحث والتحليل والصياغة، لذا نرجو عند نسخه أو تداوله الإبقاء على اسم الكاتب، احتراماً للحقوق الأدبية والأمانة العلمية.
________
أسأل الله التوفيق والسداد لي ولكم.
أخوكم/ الكاتب القانوني عادل الكردسي
8 /8 / 2026م
الرجعة في قانون الأحوال الشخصية اليمني

"الرجعة_في_قانون_الأحوال_الشخصية_اليمني"
عادل الكردسي
بواسطة : عادل الكردسي
عادل علي عبده الكردسي مستشار قانوني وكاتب، حاصل على درجة الليسانس في الشريعة والقانون من جامعة صنعاء. أكرس هذا الفضاء الرقمي لتقديم رؤى قانونية معمقة وتحليلات تشريعية تهدف إلى رفع الوعي القانوني وتطوير الثقافة الحقوقية. من خلال خبرتي ككاتب ومستشار، أعمل على تبسيط النصوص القانونية وصياغة المذكرات والدراسات التي تخدم الباحثين ورجال القانون والمجتمع.مدونه تعنى بنشر احكام في القانون اليمني استشارات قانونية مجانية في جميع أحكام القانون اليمني
تعليقات