الطلاق والرجعة: دراسة قانونية في ضوء قانون الأحوال الشخصية اليمني
🖋️ الكاتب القانوني عادل الكردسي
ماهية الطلاق ومشروعيته وأساسه القانوني في قانون الأحوال الشخصية اليمني
يُعد الطلاق وسيلة شرعها الإسلام لإنهاء الرابطة الزوجية عند تعذر استمرار الحياة الزوجية، بعد أن تستنفد وسائل الإصلاح والتوفيق بين الزوجين. والأصل في الزواج أنه ميثاق غليظ يقوم على السكن والمودة والرحمة، وأن الدوام والاستقرار هو المقصد الذي ابتغاه الشرع منه، إلا أن استمرار العلاقة الزوجية مع قيام الشقاق واستحكام الخلاف قد يؤدي إلى ضرر يلحق بأحد الزوجين أو بهما معاً، فجعلت الشريعة الطلاق طريق استثنائي لإنهاء هذه العلاقة متى تعذر الإصلاح. ولذلك فإن الطلاق في الشريعة الإسلامية ليس حقاً يمارس على سبيل العبث أو التعسف، وإنما شرع لتحقيق مصلحة الأسرة ورفع الضرر، مع إحاطته بقيود وأحكام تحفظ حقوق الزوجين والأولاد، وتحد من إساءة استعماله. حيث سار المشرع اليمني على هذا النهج، فنظم أحكام الطلاق والرجعة تنظيم دقيق في الباب الثاني من قانون الأحوال الشخصية اليمني، وخصص له المواد من (58-87)، مبيناً تعريفه، وشروط وقوعه، وأنواعه، وآثاره، وأحكام الرجعة والعدة، وما يتعلق بالطلاق الرجعي والطلاق البائن، إضافة إلى الأحكام الخاصة بالخلع. وقبل تنظيم أحكام الطلاق، بين المشرع الطرق التي تنتهي بها العلاقة الزوجية، فنصت المادة (43) من قانون الأحوال الشخصية على أن «ينتهي الزواج بالفسخ أو بالطلاق أو بالموت.» ويستفاد من هذا النص أن الطلاق ليس الطريق الوحيد لانتهاء الزواج، وإنما توجد وسائل أخرى حددها القانون، لكل منها أسبابها وأحكامها وآثارها القانونية المستقلة. أما تعريف الطلاق، فقد أورده المشرع في المادة (58) بقوله «الطلاق قول مخصوص به يفك الارتباط بين الزوجين، وهو إما صريح لا يحتمل غيره أو كناية تفتقر إلى النية، ويقع الطلاق باللغة العربية وبغيرها ممن يعرف معناه أو بالكتابة والإشارة المفهومة من العاجز عن النطق.» ويتبين من هذا النص أن المشرع اليمني لم يجعل الطلاق مجرد إرادة باطنة، وإنما اشترط صدوره بلفظ أو وسيلة تدل عليه دلالة معتبرة قانوناً، سواء كان ذلك بالقول أو بالكتابة أو بالإشارة المفهومة بالنسبة للعاجز عن النطق.
الطبيعة القانونية للطلاق وخصائصه والمبادئ العامة التي تحكم وقوعه
الطلاق في القانون اليمني ليس حكماً قضائياً في الأصل، وإنما يعد تصرفاً قانونياً يصدر من الزوج أو من وكيله متى توافرت شروطه القانونية والشرعية. ولذلك فإن الأصل أن المحكمة لا تنشئ الطلاق الصادر من الزوج، وإنما يقتصر دورها – عند قيام النزاع – على التحقق من وقوعه وصحته، ثم إثباته وترتيب آثاره القانونية، أما إنهاء العلاقة الزوجية بحكم القضاء فيكون في الحالات التي نص عليها القانون، كالفسخ والتفريق القضائي. ومن ثم فإن الطلاق يختلف عن الفسخ اختلافاً جوهرياً؛ إذ إن الفسخ في أغلب صوره لا يتحقق إلا بحكم قضائي، بينما يقع الطلاق بمجرد صدوره ممن يملك إيقاعه وفقاً لأحكام القانون. ولهذا أفرد المشرع لكل منهما باباً مستقلاً، لما بينهما من اختلاف في الأسباب والإجراءات والآثار القانونية. ومن خلال استقراء نصوص قانون الأحوال الشخصية اليمني، ولا سيما المواد (58) إلى (62)، يمكن استخلاص أهم الخصائص والمبادئ العامة التي يقوم عليها نظام الطلاق في القانون اليمني، ومن أبرزها:
أن الطلاق سبب مستقل من أسباب انتهاء الزواج.
أن الطلاق لا يقع إلا ممن يملك إيقاعه قانوناً، وهو الزوج أو من يقوم مقامه في الأحوال التي يجيزها القانون.
أن توافر الإرادة الصحيحة يعد شرطاً أساسياً لصحة الطلاق.
أن الطلاق الصريح يقع بمجرد التلفظ به، بينما لا يقع الطلاق بالكناية إلا إذا اقترن بالنية.
أن الطلاق يجوز أن يقع باللغة العربية أو بأي لغة أخرى يفهم معناها.
أن الكتابة والإشارة المفهومة من العاجز عن النطق تقومان مقام اللفظ في الأحوال التي أجازها القانون.
أن طلاق السكران الذي فقد الإدراك والتمييز كلياً لا يقع، وفقاً لأحكام القانون.
أن الطلاق السني والطلاق البدعي كلاهما يقع وتترتب عليهما آثارهما القانونية متى استوفيا الشروط المقررة قانوناً.
أن القانون نظم آثار الطلاق بحسب نوعه، فميز بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن، ورتب على كل منهما أحكاماً وآثاراً قانونية خاصة.
أن انتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق يترتب عليه آثار قانونية تتعلق بالعدة، والرجعة، والنفقة، والسكن، والإرث، وغيرها من الحقوق والالتزامات، وذلك وفقاً لنوع الطلاق والأحكام التي قررها القانون.
الحكمة من تشريع الطلاق
لم يشرع الإسلام الطلاق لإهدام الأسرة أو تفكيكها، وإنما شرعه باعتباره معالجة إستثنائية يمكن الرجوع له عند استحالة استمرار الحياة الزوجية. وتظهر الحكمة من تشريعه في أمور عديدة، أهمها:
رفع الضرر عن الزوجين إذا أصبح استمرار الحياة الزوجية سبباً للشقاق أو الأذى.منع استمرار النزاع الذي قد يفضي إلى اعتداء أو ظلم أو تفكك أسري أشد ضرر من الطلاق نفسه.
فتح باب لإنهاء العلاقة الزوجية بطريقة مشروعة تحفظ الحقوق المالية والأسرية لكل من الزوجين.
المحافظة على كرامة الزوجين عندما تصبح المعاشرة بالمعروف متعذرة.
تحقيق التوازن بين حق الزوج في إنهاء العلاقة الزوجية وبين الضمانات التي قررها القانون لحماية الزوجة والأولاد. ومن ثم فإن الطلاق في الفقه الإسلامي والقانون اليمني يعد آخر الحلول، وليس أولها، بعد تعذر وسائل الإصلاح والتوفيق بين الزوجين.
أسباب انتهاء الزواج في قانون الأحوال الشخصية اليمني
نصت المادة (43) من قانون الأحوال الشخصية على أن الزواج ينتهي بثلاث أسباب وهي:
الطلاق.
الفسخ.
وفاة أحد الزوجين.
ويختلف كل سبب من هذه الأسباب عن الآخر من حيث السبب والإجراءات والآثار القانونية.
فالطلاق ينشأ بإرادة الزوج أو من يقوم مقامه قانوناً، ويخضع للأحكام المنظمة له في الباب الخاص بالطلاق.
أما الفسخ، فيقوم على أسباب قانونية محددة نص عليها القانون، كالإعسار بالنفقة، أو العيوب، أو الغيبة، أو غيرها من الأسباب التي تستوجب إنهاء عقد الزواج بحكم المحكمة.
أما الوفاة، فهي سبب طبيعي لانقضاء عقد الزواج، وتترتب عليها آثار تختلف عن آثار الطلاق والفسخ، من أهمها عدة الوفاة وأحكام الميراث. ويترتب على هذا التمييز اختلاف الأحكام المتعلقة بالعدة، والنفقة، والرجعة، والإرث، وسائر الآثار التي نظمها قانون الأحوال الشخصية لكل حالة على حدة.
شروط صحة الطلاق في قانون الأحوال الشخصية اليمني
لم يكتف المشرع اليمني بتعريف الطلاق، وإنما وضع له شروطاً وضوابط لا بد من توافرها حتى ينتج آثاره القانونية، حمايةً للأسرة من وقوع الطلاق بغير إرادة معتبرة أو من شخص لا يملك إيقاعه. وباستقراء نصوص المواد (58) إلى (66) من قانون الأحوال الشخصية، يتبين أن أهم شروط صحة الطلاق هي:
الشرط الأول: صدور الطلاق ممن يملك إيقاعه قانوناً فالأصل أن حق إيقاع الطلاق يثبت للزوج، كما يجوز أن يوقعه وكيله إذا كان مفوضاً بذلك وفق أحكام القانون.الشرط الثاني: توافر الأهلية القانونية للمطلق فيشترط أن يكون المطلق كامل الأهلية القانونية ممن يعتد بإرادته، وفقاً لما بينته المادة (60).
الشرط الثالث: صدور الطلاق بإرادة معتبرة فلا يقع الطلاق إذا انعدمت الإرادة بسبب فقدان الإدراك الكامل، كما في حالة السكر الذي يزيل التمييز، وفقاً للمادة (61).
الشرط الرابع: صدور الطلاق بلفظ أو وسيلة معتبرة قانوناً ويكون ذلك باللفظ الصريح أو بالكناية مع النية، أو بالكتابة، أو بالإشارة المفهومة للعاجز عن النطق. ويتضح من ذلك أن المشرع اليمني لم يجعل الطلاق واقعة شكلية مجردة، وإنما ربط صحته بتوافر شروط تتعلق بالشخص والإرادة واللفظ والوسيلة.
من يملك إيقاع الطلاق
بينت المادة (60) من قانون الأحوال الشخصية الأشخاص الذين يملكون إيقاع الطلاق، فنصت على أن «يقع الطلاق من زوج مختار مكلف أو من وكيله ولو كانت الزوجة، وللحاكم أن يأذن لولي المجنون أو المعتوه بإيقاع الطلاق عنه إذا وجد سبباً يدعو لذلك وتحققت المصلحة.» ويستفاد من هذا النص أن المشرع حدد أصحاب الحق في إيقاع الطلاق على النحو الآتي:
أولاً: الزوج وهو صاحب الحق الأصلي في إيقاع الطلاق متى كان مختاراً ومكلفاً.ثانياً: الوكيل يجوز للزوج أن يوكل غيره في إيقاع الطلاق، سواء كان الوكيل رجلاً أو امرأة، بل أجاز القانون أن تكون الزوجة نفسها وكيلاً عن زوجها في إيقاع الطلاق إذا منحها هذه الوكالة. ويعد هذا من التطبيقات العامة لأحكام الوكالة في التصرفات القانونية.
ثالثاً: ولي المجنون أو المعتوه إذا كان الزوج مجنوناً أو معتوهاً، جاز للمحكمة أن تأذن لوليه بإيقاع الطلاق نيابة عنه، بشرطين أساسيين هما:
وجود سبب يدعو إلى الطلاق.
تحقق مصلحة المجنون أو المعتوه. وبذلك لم يجعل القانون ولاية الولي مطلقة، وإنما أخضعها لرقابة القضاء حمايةً للأسرة ومنعاً للتعسف.
أهلية المطلق
اشترطت المادة (60) أن يكون المطلق:
أولاً: مختاراً أي أن تصدر إرادته دون إكراه يفسد الاختيار.
ثانياً: مكلفاً ويقصد بالتكليف أن يكون ممن يعتد الشرع والقانون بإرادته. ويتبين من ذلك أن الطلاق لا يصح ممن لا تتوافر لديه الأهلية التي تجعل إرادته منتجة لأثرها القانوني.
تقسيم الطلاق من حيث صيغة اللفظ (الصريح والكناية)
قسم المشرع اليمني ألفاظ الطلاق من حيث دلالتها اللفظية إلى نوعين رئيسيين، وذلك في المادة (58) من قانون الأحوال الشخصية:
النوع الأول: الطلاق الصريح وهو اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى الطلاق، ولا يحتاج إلى إثبات نية، بل يقع بمجرد التلفظ به. ومن أمثلته: "أنت طالق"، "طلقتك". وهذا النوع هو الأصل في إيقاع الطلاق.النوع الثاني: الطلاق بالكناية وهو اللفظ الذي يحتمل الطلاق وغيره من المعاني، فلا يقع طلاقاً إلا إذا اقترنت به نية المطلق إيقاع الطلاق. ومن أمثلته: "الحقي بأهلك"، أو "أنت عليَّ حرام" إذا نوى به الطلاق. ويُظهر هذا التنظيم حرص المشرع على حماية الأسرة من وقوع الطلاق بألفاظ محتملة أو عبارات غير مقصودة، مع المحافظة في الوقت ذاته على الأحكام الشرعية المستقرة.
أما عن تقسيم الطلاق من حيث الأثر في الرابطة الزوجية (الرجعي والبائن) إلى نوعين رئيسيين هما: الأول: الطلاق الرجعي. الثاني: الطلاق البائن. وقد بينت المواد (67، 68، 69) الأحكام الخاصة بكل نوع وآثاره القانونية. ويمكن تفصيل ذلك بالآتي:
أولاً: الطلاق الرجعي في قانون الاحوال الشخصية اليمني
الطلاق الرجعي هو الطلاق الذي لا تنتهي به الزوجية فوراً، وإنما تبقى الزوجة في حكم الزوجة طوال مدة العدة، ويملك الزوج إرجاعها دون عقد أو مهر جديدين. ولهذا نصت المادة (68) على أن «الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، وللزوج أن يراجع زوجته خلال العدة، فإذا انقضت العدة دون مراجعة أصبح الطلاق بائناً بينونة صغرى.» ويتبين من هذا النص أن العلاقة الزوجية تبقى قائمة حكماً طوال مدة العدة، ولذلك تظل بعض آثار الزواج قائمة. حيث وقد عرف المشرع اليمني الطلاق الرجعي في المادة (67) بقوله على أنه «يقع الطلاق رجعياً إذا حصل بعد دخول حقيقي على غير عوض مال أو منفعة ولم يكن مكملاً للثلاث...» ويستفاد من هذا النص أن الطلاق لا يكون رجعياً إلا بتوافر ثلاثة شروط وهي:
الشرط الأول: أن يكون الطلاق بعد الدخول الحقيقي. فإذا وقع الطلاق قبل الدخول فلا يكون رجعياً، لأن المرأة لا تعتد عدة الطلاق أصلاً قبل الدخول، وإنما تنتهي العلاقة الزوجية بمجرد وقوع الطلاق.الشرط الثاني: ألا يكون الطلاق بعوض. فإذا كانت الفرقة مقابل عوض، كما في الخلع، فإنها لا تكون رجعية، وإنما تعتبر طلاقاً بائناً.
الشرط الثالث: ألا يكون مكملاً للثلاث. فإذا كانت هذه الطلقة هي الثالثة، فإنها تكون بائنة بينونة كبرى، ولا يجوز للزوج مراجعة زوجته.
والجدير بالذكر ان مدة الطلاق الرجعي تبقى قائمة طوال مدة العدة فقط. أما إذا انتهت العدة دون مراجعة الزوج لزوجته، فإن الطلاق يتحول بقوة القانون إلى طلاق بائن بينونة صغرى. وهذا ما نصت عليه المادة (68) بقولها «فإذا انقضت العدة دون مراجعة أصبح الطلاق بائناً بينونة صغرى.»
حيث رتب المشرع اليمني على الطلاق الرجعي مجموعة من الآثار المهمة، وردت في المواد (68) و(86) من قانون الأحوال الشخصية، ويمكن إجمالها في الآتي:
بقاء الزوجية حكماً: فالطلاق الرجعي لا ينهي الزوجية مباشرة، وإنما تبقى الزوجة في حكم الزوجة طوال مدة العدة، ولهذا يجوز للزوج مراجعتها دون عقد جديد.
حق الرجعة للزوج: يملك الزوج إعادة زوجته إلى عصمته أثناء العدة بإرادته المنفردة، دون حاجة إلى رضاها أو عقد أو مهر جديد، عملاً بالمادة (68).
استمرار النفقة: تستحق المطلقة رجعياً جميع حقوق النفقة طوال مدة العدة، عملاً بالمادة (86) التي أوجبت النفقة في هذا النوع من الطلاق.وجوب السكن: أوجبت المادة (86) بقاء الزوجة في السكن الزوجي أثناء العدة، فلا يجوز إخراجها منه إلا وفق أحكام القانون.
ثبوت التوارث: إذا توفي أحد الزوجين أثناء عدة الطلاق الرجعي، ورثه الآخر، لأن الزوجية لا تزال قائمة حكماً، وهو ما نصت عليه المادة (86).
القيود على الزوجة: من آثار الطلاق الرجعي كذلك أن الزوجة لا يجوز لها الخروج من مسكن الزوجية إلا بإذن زوجها، لأن العلاقة الزوجية لم تنقطع نهائياً.
القيود على الزوج: فلا يجوز للزوج أثناء عدة الطلاق الرجعي أن يتزوج امرأة يحرم الجمع بينها وبين مطلقته (كأختها مثلاً)، كما لا يجوز له أن يتزوج خامسة إذا كان له أربع زوجات، حتى تنتهي عدة المطلقة أو يراجعها.
تحول الطلاق إلى بائن بانتهاء العدة: إذا انقضت عدة الزوجة دون أن يقوم الزوج بمراجعة صحيحة، تحول الطلاق الرجعي بقوة القانون إلى طلاق بائن بينونة صغرى، عملاً بالمادة (68)، ولا تعود الزوجة بعد ذلك إلا بعقد ومهر جديدين.ثانياً: الطلاق البائن في قانون الاحوال الشخصية اليمني
نصت المادة (69) على أن «الطلاق البائن يزيل الزوجية حالاً...» ويتبين من هذا النص أن جميع الآثار الأساسية للزوجية تزول بمجرد وقوع الطلاق، باستثناء ما استثناه القانون كعدة الحامل ونفقتها.
أما عن الطلاق البائن: فينقسم وفق قانون الأحوال الشخصية اليمني إلى نوعين:
طلاق بائن بينونة صغرى.طلاق بائن بينونة كبرى.
النوع الأول: "الطلاق البائن بينونة صغرى في قانون الاحوال الشخصية اليمني"
يتحقق في عدة صور، من أهمها:
انتهاء عدة الطلاق الرجعي دون مراجعة.
الطلاق قبل الدخول.
الخلع.
كل طلاق جعله القانون بائناً ولم يكن مكملاً للثلاث.
وفي هذه الحالة تنتهي الزوجية، ولكن يجوز للزوجين العودة إلى بعضهما بعقد ومهر جديدين إذا توافرت شروط الزواج. حيث نصت المادة (69) بقولها «فإن كان بائناً بينونة صغرى فإنه لا يمنع المطلق من الزواج بمطلقته بعقد ومهر جديدين...»
آثار الطلاق البائن بينونة صغرى:
انتهاء الزوجية فور وقوع الطلاق.
عدم وجود حق للرجعة.سقوط التوارث بين الزوجين.
سقوط النفقة والسكن، إلا فيما استثناه القانون، مع مراعاة نفقة الحامل إذا كانت حاملاً وفقاً للقانون.
جواز عودة الزوجين بعقد ومهر جديدين.
النوع الثاني: الطلاق البائن بينونة كبرى
تتحقق البينونة الكبرى إذا كان الطلاق مكملاً للثلاث. وقد نصت المادة (69) على أنه «وإذا كان بائناً بينونة كبرى بأن كان مكملاً للثلاث حرمت المرأة على مطلقها...» ويعد هذا أخطر أنواع الطلاق؛ لأنه ينهي الرابطة الزوجية نهائياً.
آثار الطلاق البائن بينونة كبرى:
انقطاع الزوجية نهائياً.سقوط حق الرجعة نهائياً.
عدم جواز عقد زواج جديد بين الزوجين مباشرة.
عدم جواز رجوع الزوجة إلى مطلقها إلا بعد تحقق الشروط التي حددها القانون.
متى يجوز رجوع المطلقة بعد البينونة الكبرى؟
الجواب: لا يجوز للمطلقة بينونة كبرى أن تعود إلى زوجها الأول إلا إذا توافرت الشروط الآتية جميعاً:
أن تتزوج زوجاً آخر زواجاً صحيحاً.
أن يحصل دخول حقيقي بالزوج الثاني.
أن تنتهي العلاقة الزوجية الثانية بطلاق أو وفاة.
أن تنقضي عدتها من الزوج الثاني.
أن يتم عقد زواج جديد بينها وبين الزوج الأول مع مهر جديد وبرضا الطرفين.
وقد نصت المادة (69) صراحة على هذه الأحكام.
الفرق بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن
يمكن استخلاص أهم الفروق بينهما فيما يأتي:
الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية أثناء العدة، أما الطلاق البائن فيزيلها بمجرد وقوعه.
في الطلاق الرجعي يملك الزوج مراجعة زوجته أثناء العدة، أما في الطلاق البائن فلا يملك الرجعة.
الطلاق الرجعي يثبت فيه التوارث، أما البائن فلا توارث فيه، ما لم يكن الطلاق في مرض الموت، فتطبق الأحكام الخاصة بذلك إذا توافرت شروطها.
الرجعي لا يحتاج إلى عقد جديد عند الرجعة أثناء العدة، بينما البائن لا تعود فيه الزوجة إلا بعقد ومهر جديدين إذا كانت البينونة صغرى.
في الطلاق البائن بينونة كبرى لا تحل الزوجة لمطلقها حتى تتزوج زوجاً غيره زواجاً صحيحاً ويدخل بها ثم تنتهي العلاقة الثانية وفق القانون.
في الطلاق الرجعي تستحق فيه الزوجة النفقة والسكن أثناء العدة، أما البائن فلا تستحقهما إلا في الحالات التي نص عليها القانون، كالمطلقة الحامل.
الطلاق الرجعي يتحول إلى طلاق بائن بينونة صغرى بانتهاء العدة دون مراجعة.
في الطلاق البائن بينونة صغرى يجوز بعدها الزواج بعقد ومهر جديدين، أما البينونة الكبرى فلا يجوز بعدها الزواج إلا بعد تحقق الشروط المنصوص عليها في المادة (69).متى يتحول الطلاق الرجعي إلى بائن؟
نصت المادة (68) على أن الطلاق الرجعي يتحول إلى طلاق بائن بينونة صغرى إذا انتهت عدة الزوجة دون أن تحصل مراجعة صحيحة من الزوج. ويترتب على ذلك انتهاء جميع آثار الزوجية، ولا تعود الزوجة بعد ذلك إلا بعقد ومهر جديدين.
طرق إيقاع الطلاق في قانون الأحوال الشخصية اليمني (صور إيقاع الطلاق)
لم يقصر المشرع اليمني وقوع الطلاق على التلفظ باللغة العربية، وإنما توسع في وسائل التعبير عنه بما يتفق مع اختلاف أحوال الناس. فنصت المادة (58) على أن الطلاق يقع:
أولاً: باللغة العربية.
ثانياً: بأي لغة أخرى يفهم معناها.
ثالثاً: بالكتابة.
رابعاً: بالإشارة المفهومة من العاجز عن النطق كالأخرس.
ويستفاد من ذلك أن العبرة ليست باللغة المستعملة، وإنما بوصول معنى الطلاق بصورة واضحة لا تحتمل اللبس. كما أن الكتابة تقوم مقام التلفظ متى تضمنت معنى الطلاق، وكذلك الإشارة بالنسبة لمن عجز عن الكلام.
الطلاق عن طريق الوكيل
أجاز القانون اليمني التوكيل في الطلاق، وهو ما أكدته المادة (60). ويترتب على ذلك أن الوكيل إذا أوقع الطلاق في حدود الوكالة الممنوحة له، وقع الطلاق صحيحاً ومنتجاً لجميع آثاره القانونية. أما إذا تجاوز حدود الوكالة أو خالف شروطها، فإن ذلك يخضع للقواعد العامة المنظمة للوكالة وآثارها.
طلاق السكران في قانون الاحوال الشخصية اليمني
من المسائل المهمة التي نظمها القانون حكم الطلاق الصادر من السكران. فنصت المادة (61) على أنه «لا يقع طلاق السكران الذي فقد إدراكه ولم يبق له أي تمييز متى دلت على ذلك قرائن الأحوال من أقواله وأفعاله حين إيقاع الطلاق.» ويستفاد من هذا النص عدة أحكام:
أن مجرد شرب المسكر لا يمنع وقوع الطلاق.
وإنما المعتبر هو فقدان الإدراك والتمييز بصورة كاملة.
ويخضع تقدير ذلك لظروف الواقعة والقرائن المستخلصة من أقوال المطلق وأفعاله.
فإذا ثبت أنه فاقد للإدراك بصورة تامة، لم يقع الطلاق.
ويعد هذا الحكم تطبيقاً لقاعدة أن التصرفات القانونية لا تنتج آثارها إلا إذا صدرت عن إرادة مدركة ومعتبرة.
وصف الطلاق من حيث كيفية إيقاعه (الطلاق السني والطلاق البدعي)
لا يعد الطلاق السني والبدعي نوعين من أنواع الطلاق من حيث آثاره القانونية، وإنما هما وصفان فقهيان لكيفية إيقاع الطلاق، وقد نصت المادة (62) من قانون الأحوال الشخصية على أن الطلاق يقع سنياً كان أو بدعياً، وبذلك سوى المشرع اليمني بينهما من حيث وقوع الطلاق وترتيب آثاره القانونية، وإن اختلف حكمهما من الناحية الفقهية. حيث نصت المادة (62) على أن «يقع الطلاق سنياً كان أو بدعياً.» ويتبين من هذا النص أن المشرع فرق بين وصف الطلاق من الناحية الفقهية، وبين صحة وقوعه من الناحية القانونية في الوصفين وهما:
أولاً: طلاق سني: وهو الطلاق الذي يقع وفق الكيفية المشروعة في الفقه الإسلامي.
ثانياً: طلاق بدعي: وهو الطلاق الذي يقع على خلاف الكيفية المشروعة.
إلا أن القانون اليمني قرر أن كلاً منهما يقع ويترتب عليه أثره القانوني متى استوفى شروطه. ومن ثم فإن وصف الطلاق بأنه بدعي لا يمنع من ترتيب آثاره القانونية وفق أحكام قانون الأحوال الشخصية.
أحكام تعدد الطلاق في القانون اليمني
من المسائل المهمة التي نظمها قانون الأحوال الشخصية اليمني مسألة تعدد ألفاظ الطلاق، إذ وضع لها أحكاماً خاصة تمنع التوسع في إيقاع أكثر من طلقة بلفظ واحد أو في مجلس واحد، تحقيقاً لاستقرار الأسرة والحد من التسرع في إنهاء العلاقة الزوجية. وقد تناول المشرع هذه الأحكام في المواد (63) و(64) من قانون الأحوال الشخصية.
الطلاق لا يتبع الطلاق
نصت المادة (63) من قانون الأحوال الشخصية على أن «الطلاق لا يتبع الطلاق ما
لم تتخلله رجعة قولية أو فعلية.» ويعد هذا النص من الأحكام المميزة في قانون
الأحوال الشخصية اليمني، إذ قرر أن الطلاق الثاني لا يلحق الأول إذا صدر قبل
حصول الرجعة. ويترتب على ذلك أن الزوج إذا طلق زوجته ثم أعاد تكرار ألفاظ
الطلاق وهي لا تزال في نفس الطلاق ولم تحصل بينهما رجعة صحيحة، فإن الألفاظ
اللاحقة لا تنشئ طلاقاً جديداً. أما إذا راجعها مراجعة صحيحة، سواء بالقول أو
بالفعل، ثم طلقها مرة أخرى، فإن الطلاق الثاني يقع مستقلاً عن الأول، لأنه جاء
بعد استئناف العلاقة الزوجية بالرجعة. ويهدف هذا الحكم إلى منع احتساب عدة
طلقات في واقعة واحدة، ما لم تستأنف الحياة الزوجية بين الزوجين برجعة صحيحة.
الطلاق المقترن بعدد
من المسائل التي كثر الخلاف حولها في الفقه والقضاء مسألة قول الزوج
لزوجته: "أنت طالق ثلاثاً" أو "أنت طالق بالثلاث" أو غير ذلك من الألفاظ
المقترنة بعدد. وقد حسم المشرع اليمني هذا الأمر بنص صريح في المادة (64)
التي جاء فيها «الطلاق المقترن بعدد قل أو كثر يقع طلقة واحدة.» ويترتب على
هذا النص عدة أحكام مهمة:
إذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق ثلاثاً، فلا
تقع إلا طلقة واحدة.
إذا قال: أنت طالق عشر طلقات، فلا تقع إلا طلقة
واحدة.
لا يعتد بالعدد المذكور مهما بلغ، وإنما العبرة بأصل وقوع
الطلاق.
الطلاق المعلق على شرط
قد يربط الزوج وقوع الطلاق بحصول أمر معين مستقبلاً، كأن يقول:
إن خرجت من البيت فأنت طالق.
إن سافرت فأنت طالق.
إن
فعلت كذا فأنت طالق.
وقد نظم المشرع هذه الحالة في المادة (65) بقوله «الطلاق المعلق على فعل شيء أو تركه يقع بوقوع شرطه الذي علقه به.» ويستفاد من هذا النص أن:
الطلاق لا يقع بمجرد التلفظ به إذا كان معلقاً على شرط.وإنما يقع عند تحقق الشرط الذي علق عليه الزوج الطلاق.
فإذا لم يتحقق الشرط بقي الطلاق غير واقع.
يمين الطلاق
من المسائل العملية التي يكثر وقوعها بين الناس ما يسمى بيمين الطلاق، كأن يقول الزوج:
عليَّ الطلاق لا أفعل كذا.
الطلاق بالثلاث لا تدخل هذا المكان.
عليَّ الحرام.
وقد عالج المشرع هذه المسألة في المادة (66)، فنص على أن «لا يقع الطلاق بالحنث بيمين الطلاق أو الحرام ويلزمه الكفارة إن لم ينو الطلاق.» ويستفاد من هذا النص الأحكام الآتية:
مجرد الحنث في يمين الطلاق لا يؤدي إلى وقوع الطلاق إذا لم يقصد الزوج إيقاعه.
إذا لم تكن نية الزوج هي الطلاق، فإن الذي يلزمه هو كفارة اليمين.
العبرة في هذه الحالة بنيته عند إصدار اليمين.
الرجعة في قانون الأحوال الشخصية اليمني
بعد أن نظم المشرع اليمني أحكام الطلاق الرجعي، أفرد تنظيماً مستقلاً للرجعة في المواد (75) إلى (78) من قانون الأحوال الشخصية، باعتبارها من أهم الآثار المترتبة على الطلاق الرجعي، إذ تمثل وسيلة شرعية وقانونية لإعادة الحياة الزوجية دون الحاجة إلى عقد أو مهر جديدين، متى تمت خلال العدة ووفقاً للشروط التي حددها القانون. ويقصد بالرجعة: إعادة المطلقة طلاقاً رجعياً إلى عصمة زوجها أثناء العدة، دون إبرام عقد زواج جديد، وبالطريقة التي رسمها القانون. وتقوم الرجعة على أساس أن الطلاق الرجعي لا يزيل رابطة الزوجية نهائياً، وإنما تبقى الزوجية قائمة حكماً طوال مدة العدة، ولهذا منح القانون الزوج حق مراجعة زوجته خلالها.
الأساس القانوني للرجعة وشروط صحتها
استند المشرع اليمني في تنظيم الرجعة إلى المواد (67، 68، 75، 76، 77) من قانون الأحوال الشخصية. فقد نصت المادة (68) على أن «الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، وللزوج أن يراجع زوجته خلال العدة، فإذا انقضت العدة دون مراجعة أصبح الطلاق بائناً بينونة صغرى.» كما نصت المادة (75) على أن «تتم الرجعة بالقول ولو هازلاً أو بالفعل غير مشروطة بوقت أو بغيره، وتصح بغير رضاء الزوجة وأوليائها.» ويستفاد من هذين النصين أن الرجعة ليست عقداً جديداً، وإنما هي استدامة للرابطة الزوجية التي لم تنقطع نهائياً بالطلاق الرجعي.
شروط صحة الرجعة:
الشرط الأول: أن يكون الطلاق رجعياً (فالرجعة لا تكون إلا في الطلاق الرجعي، أما الطلاق البائن بنوعيه والخلع فلا يقبلان الرجعة).الشرط الثاني: أن تقع الرجعة أثناء العدة (فإذا انتهت عدة الزوجة قبل حصول الرجعة، انقضى حق الزوج فيها، وتحول الطلاق إلى بينونة صغرى).
الشرط الثالث: صدور الرجعة ممن يملكها وهو الزوج الذي وقع منه الطلاق الرجعي أو من يقوم مقامه.
الشرط الرابع: ألا تكون الزوجة قد بانت بينونة كبرى.
صور الرجعة في قانون الاحوال الشخصية اليمني
حدد المشرع اليمني وسائل حصول الرجعة في المادة (75)، وجعلها صورتين:
أولاً: الرجعة بالقول: ويقصد بها كل لفظ يدل صراحة على إعادة الزوجة إلى عصمة زوجها. ومن أمثلة ذلك: "راجعت زوجتي"، "أمسكت زوجتي"، "أعدتك إلى عصمتي". ونصت المادة (75) على أن الرجعة بالقول تقع ولو كان الزوج هازلاً.
ثانياً: الرجعة بالفعل: أجاز القانون حصول الرجعة بالفعل، والمقصود بذلك الأفعال التي تدل دلالة واضحة على استئناف الحياة الزوجية وفق ما استقر عليه الفقه الإسلامي.
هل يشترط رضا الزوجة لصحة الرجعة؟
الجواب: نصت المادة (75) عن هذا التساؤل بنص صريح جاء فيه «وتصح بغير رضاء الزوجة وأوليائها.» ويستفاد من هذا النص أن:
الرجعة حق خالص للزوج أثناء العدة.
لا يتوقف نفاذها على قبول الزوجة.
لا يشترط موافقة وليها.
الإشهاد على الرجعة والاختلاف في حصولها
نصت المادة (76) على أن «إذا كانت الرجعة بالقول فيجب على الزوج الإشهاد عليها وإعلام الزوجة بها، فإن كانت مجنونة فإعلام وليها.» ويستفاد من هذا النص:
وجوب الإشهاد على الرجعة القولية.
وجوب إعلام الزوجة بحصول الرجعة.
إذا كانت الزوجة فاقدة للأهلية، وجب إعلام وليها.
الاختلاف في حصول الرجعة
نصت المادة (77) على أن «إذا اختلف الرجل والمرأة بعد انقضاء العدة على حصول الرجعة فالقول لمنكرها.» ويستفاد من هذا النص أن:
مناط تطبيقه هو وقوع النزاع بعد انتهاء العدة.
إذا ادعى أحد الزوجين حصول الرجعة وأنكرها الآخر، فإن القول يكون لمن ينكر الرجعة.
يترتب على ذلك بقاء الأصل، وهو انتهاء الزوجية بانقضاء العدة ما لم تثبت الرجعة.
الدعاوى المتعلقة بالطلاق في قانون الأحوال الشخصية اليمني
يعد الطلاق من أكثر موضوعات الأحوال الشخصية تداولاً أمام المحاكم اليمنية، وتنظر المحاكم بصورة مستمرة في دعاوى متعددة يكون الطلاق سبباً مباشراً أو غير مباشر لها. ومن أبرز الدعاوى:
أولاً: دعوى إثبات الرجعة أثناء العدة وهي الدعوى التي يرفعها الزوج أو الزوجة إلى المحكمة
بطلب إثبات حصول الرجعة أثناء عدة الطلاق الرجعي، إذا وقع خلاف حول حصولها أو تاريخها أو صحتها.
ثانياً: دعوى إثبات الطلاق عند إنكار أحد الزوجين وقوعه وهي الدعوى التي يرفعها أحد الزوجين إلى المحكمة بطلب إثبات وقوع الطلاق، إذا ادعى أحدهما حصوله وأنكر الطرف الآخر ذلك.ثالثاً: دعوى إثبات الطلاق الصادر خارج المحكمة وهي الدعوى التي يرفعها أحد الزوجين بطلب إثبات الطلاق الذي وقع خارج المحكمة، سواء وقع باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة، لإثباته رسمياً وترتيب جميع آثاره القانونية.
رابعاً: دعوى إثبات تاريخ وقوع الطلاق وهي الدعوى التي يرفعها أحد الزوجين إلى المحكمة بطلب تحديد وإثبات التاريخ الحقيقي الذي وقع فيه الطلاق متى كان هذا التاريخ محل نزاع.
وسائل إثبات الطلاق أمام القضاء اليمني
يخضع إثبات الطلاق للقواعد العامة في قانون الإثبات الشرعي، ويجوز إثباته بجميع وسائل الإثبات التي يجيزها القانون، ومن أهمها:
الإقرار: ويعد أقوى وسائل الإثبات، فإذا أقر الزوج بوقوع الطلاق، كان إقراره حجة قاطعة عليه عملاً بالمادة (87) من قانون الإثبات.
شهادة الشهود: متى استوفت شروطها القانونية، ولا سيما إذا وقع الطلاق شفوياً خارج المحكمة.
الكتابة: ويشمل ذلك المحررات الرسمية أو العرفية أو أي كتابة تتضمن إقراراً صريحاً بوقوع الطلاق.
القرائن القضائية: وللمحكمة أن تستخلص من وقائع الدعوى وملابساتها القرائن التي تؤدي إلى الاطمئنان بثبوت الطلاق أو نفيه.
اليمين: في الأحوال التي يجيز فيها قانون الإثبات توجيه اليمين أو ردها.
إثبات الطلاق والرجعة أمام القضاء اليمني (وعبء الإثبات)
الأصل في قانون الأحوال الشخصية اليمني أن الطلاق لا يشترط لصحته صدور حكم قضائي أو توثيقه أمام المحكمة، وإنما يقع متى صدر ممن يملك إيقاعه واستوفى الشروط التي حددها القانون. كما أن الرجعة لا يشترط لصحتها صدور حكم قضائي، وإنما تتحقق متى تمت وفق الأحكام المنصوص عليها في المواد (75) إلى (77).
عبء الإثبات في دعاوى الطلاق والرجعة:تخضع دعاوى الطلاق والرجعة للقواعد العامة في الإثبات، ويقع عبء الإثبات على عاتق من يتمسك بخلاف الأصل أو يدعي واقعة يترتب عليها أثر قانوني. والأصل بقاء العلاقة الزوجية واستمرارها حتى يثبت ما يزيلها. فإذا ادعى أحد الزوجين وقوع الطلاق وأنكره الآخر، فإن عبء إثبات وقوع الطلاق يقع على من يدعيه. أما إذا ثبت أصل الطلاق، ثم ادعى الزوج حصول الرجعة أثناء العدة وأنكرتها الزوجة، فإن عبء إثبات الرجعة يقع على الزوج.
حكم الإقرار بالطلاق وحجيته أمام القضاء اليمنييعد الإقرار من أقوى وسائل الإثبات في القانون اليمني؛ لما يتضمنه من اعتراف الشخص بحق يترتب عليه أثر قانوني في مواجهته. وقد نظم قانون الإثبات الشرعي أحكام الإقرار في المواد (78) إلى (96)، وجعل له حجية قاطعة متى استوفى أركانه وشروطه القانونية. وعرفت المادة (78) الإقرار بأنه: «إخبار الإنسان شفاهاً أو كتابة عن ثبوت حق لغيره على نفسه.» وبتطبيق ذلك على دعاوى الطلاق، فإن إقرار الزوج بوقوع الطلاق يعد حجة عليه، متى توافرت شروط صحة الإقرار المنصوص عليها في القانون. كما بينت المادة (87) أن «الإقرار حجة قاطعة على المقر، ويجب إلزامه بما أقر به...» واستثنت المادة (96) الإقرار بالطلاق البائن أو المكمل للثلاث، فلا يقبل الرجوع فيه وفقاً لما قرره القانون.
الخاتمة
يتضح من استقراء نصوص قانون الأحوال الشخصية اليمني أن المشرع لم ينظر إلى الطلاق باعتباره وسيلة عادية لإنهاء الحياة الزوجية، وإنما نظمه بضوابط دقيقة تحقق التوازن بين حق الزوج في إيقاعه، وبين حماية الأسرة وصيانة حقوق الزوجة والأولاد. ولذلك أحاط الطلاق بشروط وأحكام تتعلق بصحته، وصيغته، وأنواعه، وآثاره، والرجعة، والعدة، والنفقة، وغيرها من الأحكام التي تهدف إلى الحد من التعسف في استعمال هذا الحق وتحقيق الاستقرار الأسري. ويبرز من خلال النصوص القانونية أن التمييز بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن، وبين الطلاق الصريح والكناية، وبين الطلاق السني والبدعي، ليس مجرد تقسيم فقهي، بل يترتب عليه آثار قانونية مهمة تؤثر في حقوق الزوجين والتزاماتهما. ومن ثم فإن الفهم الصحيح لأحكام الطلاق يعد من المسائل الأساسية التي ينبغي أن يحيط بها القاضي والمحامي والباحث القانوني وكل من يتعامل مع قضايا الأحوال الشخصية، ضماناً لحسن تطبيق القانون وتحقيق العدالة وصيانة الحقوق.
والجدير بالذكر أن هذا المنشور يمثل اجتهاداً شخصياً في شرح أحكام الطلاق والرجعة في قانون الأحوال الشخصية اليمني، وقد اعتمدت فيه على نصوص القانون اليمني، مع الاستئناس ببعض الشروحات الفقهية والقانونية المقارنة لتوضيح المسائل التي لم يفصلها المشرع بنص صريح، مع الحرص على عدم مخالفة أحكام القانون اليمني. ولذلك فإن هذا الجهد قد يشوبه نقص أو سهو أو خطأ في الفهم أو التكييف، وأرحب بكل ملاحظة أو تصويب أو إضافة موثقة تسهم في إثراء هذا العمل وتصحيح ما قد يرد فيه من هفوات غير مقصودة. كما أن هذا المنشور هو ثمرة جهد شخصي في البحث والتحليل والصياغة، لذا نرجو عند نسخه أو تداوله الإبقاء على اسم الكاتب، احتراماً للحقوق الأدبية والأمانة العلمية.
أسأل الله التوفيق والسداد لي ولكم.
أخوكم/ الكاتب القانوني عادل الكردسي
28 / 7 / 2026م
التواصل معنا على موقعنا بالواتساب على الرقم
967777543350