الاعتراف في القانون اليمني

الاعتراف في قانون الإثبات الشرعي اليمني

إعداد:الكاتب القانوني عادل الكردسي 

أولاً: المقدمة

يُعد الإثبات القوام الأساسي لحماية الحقوق وصونها من الضياع، فهو الجسر الذي يعبر من خلاله الخصوم للوصول إلى اليقين القضائي. وفي منظومة التشريع الإسلامي والقوانين الوضعية المستمدة منها، يتربع "الإقرار" على عرش الأدلة، موصوفاً بفقه القضاء بأنه "سيد الأدلة وأقواها الحجج"، كونه يعفي الخصم من مشقة إقامة البينة ويقطع دابر النزاع.

وفي البيئة التشريعية اليمنية، أولى المشرع الإقرار عناية خاصة في قانون الإثبات اليمني المعدل، حيث نظّم أحكامه وشروطه وآثاره بما يضمن تحقيق العدالة الناجزة متأثراً بالفقه الإسلامي الغراء. وتكتسب دراسة هذا الموضوع أهمية بالغة بالنظر إلى التعديلات التشريعية التي طرأت عليه، والتي جاءت لتواكب التطورات القضائية وتحدد بدقة حجية الإقرار القضائي وغير القضائي، وضوابط الرجوع عنه. ومن هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على ماهية الإقرار في القانون اليمني، واستعراض شروطه الموضوعية والشكلية، وتبيان الأثر القانوني المترتب عليه في إرساء الحقوق وتوجيه عقيدة القاضي.

احكام الاعتراف في القانون اليمني شروط الاعتراف حجية الإقرار الاعتراف 

الإقرار في اللغة: الاعتراف وهو ضد الانكار، ويطلق على عدة معان منها: الثبوت والاعتراف والاخبار وعدم الانكار.

 الإقرار في الاصطلاح الشرعي : هو اخبار بثبوت حق للغير على نفس المقر ولو في المستقبل.

 تعريف الإقرار في القانون اليمني :

أما قانون الاثبات اليمني رقم(21)لسنة 1992م فقد عرف الإقرار بما لا يخرج عن تعريف فقهاء الاسلام حيث نصت المادة (78) من قانون الاثبات اليمني على:(الإقرار هو إخبار الانسان شفاها أو كتابة عن ثبوت حق لغيره على نفسه).

دليل حجية الإقرار:

لا خلاف بين الفقهاء على أن الإقرار حجة قاصرة على المقر لا يتعداه على غيره, فيؤاخذ به المقر وحده دون سواه لأن المقر لا ولا يه له إلا على نفسه.

الدليل من القران الكريم:

قال الله تعالى(يأيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم) ووجه الدلالة من هذه الآية على حجية الإقرار, أن شهادة الانسان على نفسه هو اقراره بالحق الذي علية .

وقال الله تعالى(يا ايها الذين امنوا اذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفا أو لا يستطيع ان يملل هو فليملل وليه بالعدل)

ووجه الدلالة من هذه الآية على حجية الإقرار أن قوله سبحانه وتعالى(وليملل الذي عليه الحق) المراد به فليقر الذي عليه الحق وليتق الله في هذا الإقرار بحيث يكون موافقا للحقيقة وغير كاذب.

دليل حجية الإقرار من السنة النبوية:

ما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبل من ماعز والغامدية اقرارهما بالزنا, وعاملهما بموجبه في اقامة الحد عليهما

وما ورد في حديث العسيف من قوله صلى الله عليه واله وسلم (واغد يا انيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها)

الاجماع:

فقد أجمع فقهاء الاسلام على أن الإقرار حجة في الاثبات لاسيما وأن العاقل لا يقر على نفسه بشي إلا وهو صادق ،ومن ثم كان جانب الصدق في الإقرار أرجح من الكذب فيصدق المقر.

الطبيعة القانونية للاعتراف:

بات الاعتراف في ظل مبدأ الاقتناع الشخصي، وبمعنى آخر فهو يخضع

للاقتناع الشخصي للمحكمة, حيث أخذت به التشريعات الحديثة من بينها القانون الفرنسي والقانون الجزائري، ومنها القانون اليمني المادة (321) من قانون الاجراءات الجزائية : تقدير الادلة يكون وفقا لاقتناع المحكمة في ضوء مبدأ تكامل الادلة فلا يتمتع دليل بقوة مسبقة في الاثبات.

فبعدما تتحقق المحكمة من توافر شروط صحته فتتأكد من صدقه من الناحية الواقعية وتفعل مهمتها التقديرية أي تقدير ذلك الاعتراف ، بيد أن السلطة التي يتمتع بها القاضي الجزائي ليست تحكمية أو تعسفية وإنما هي خاضعة للضوابط والقيود المفروضة على القاضي الذي يتعين عليه مراقبتها في اعتماده على الأدلة المتحصل عليها ، كالاعتراف الصادر في مراحل التحقيق ، فاعتراف المتهم يقرر مسؤوليته لذا يلزم أن يؤسس الاقتناع على قواعد قانونية تكفل احترام الحقوق وحماية الحريات الفردية للمتهم خصوصا وقت الاعتراف.

فالاعتراف في القانون اليمني يخضع للسلطة التقديرية للقاضي ولمبدأ اقتناعه الشخصي بالدليل بكامل حريته, ولا يعني ذلك أن يلتزم القاضي بنص الاعتراف وظاهره وإنما يكون له استنباط الحقيقة التي يصل اليها عن طريق الاستنتاج والتحليل, مادام الاعتراف سليماً مع حكم المنطق.

 المادة(352) من قانون الاجراءات الجزائية: يسأل القاضي المتهم عن التهمة الموجهة اليه ما اذا كان إقراره صحيحا سجل إقراره بكلمات تكون اقرب إلى الالفاظ التي استعملها في إقراره ولها ان تكتفي بذلك في الحكم عليه كما لها ان تتم التحقيق اذا رأت داعيا لذلك.

الاعتراف في المواد الجنائية أمام القضاء إذا تم مستوفياً لشرائطه صح والقوانين الوضعية في التشريعات المختلفة تكاد تجمع على أن الاعتراف لا يؤخذ به كدليل إلا إذا توافرت له الشروط الدالة على صحته وقوته التدليلية في الإثبات, ولصحته يجب توافر الشروط التالية :

شروط الاعتراف في القانون اليمني 

1- أن يصدر من متهم: حتى يقبل الاعتراف ويعد صحيحاً يستوجب أن يصدر من شخص على نفسه, وأن يكون هذا الشخص وقت صدور اعترافه متهماً بارتكابه لوقائع الجريمة وثم إقراره بالتهمة المسندة إلية وثم يصرح بأقواله ، بمعنى أن يدلي الشخص بأقواله وتصرفات صدرت عنه شخصياً دون اداء اليمين, وأن يكون الاعتراف متعلق بشخص المتهم لا بغيره وتترتب أثاره على المتهم فقط .

2- صدور الاعتراف عن إرادة حرة وواعية :الاعتراف الصحيح الذي يعتد به كدليل هو الذي يصدر من المتهم عن إرادة حرة وواعية ، وعن علم كامل بمضمونه ويدلي به بعيداً عن كل اشكال الضغط بغض النظر عن طبيعة هذا الضغط, أما إذا كانت ارادة الجاني تحت التأثير والإكراه فلا يعد اعترافا صحيحاً ما يدلي به المتهم من اقوال تفيد نسبة الجريمة إلية .

مطابقة الاعتراف الصريح للحقيقة: يشترط لصحة الاعتراف الصراحة والوضوح أن تكون اقوال المتهم واضحة ومفهوم الدلالة, ان يكون كل جزء من جزائيات الاعتراف واضحاً وممكناً وجائزاً ومفهوماً فلا يلزم لموضوع الاعتراف ان يكون بعبارات معينة بل يكفي ان تحمل اقوال المتهم معنى الاعتراف بشكل لا يحتمل التأويل إذ ان غموض اقوال المتهم من حيث دلالتها على ارتكابه للجريمة محل الاتهام المنسوب إليه ينفي عنه صفة الاعتراف بالمعنى الدقيق لأنها تحتمل اكثر من تأويل وبينت المادة (83)من قانون الاثبات بقولها: يكون الإقرار صراحة بأي عبارة تؤدي إلى الاعتراف بالحق كما يكون ضمنياً بفرع يترتب على ثبوته ثبوت اصله كمن يقر بالطلاق فذلك يتضمن إقراره بالزواج.

هذا وينبغي أن ينصب الاعتراف على نفس الواقعة الاجرامية لا على ملابساتها, وإلا عد مجرد دلائل موضوعية لا تكفي للإدانة إلا إذا عززتها ادلة كافية .

كما لا يعتبر اعترافاً إقرار المتهم بصحة التهمة المسندة إلية مالم يقر صراحةً بارتكابه تلك الافعال المادية المكونة لها.

شروط الاعتراف وفقا للقانون اليمني الإقرار:

نصت المادة(84) على:

يشترط في الإقرار ما يلي:

1-أن يكون غير مشروط.

٢-أن يكون مقيداً في ثبوت الحق المقر به على سبيل الجزم واليقين.

٣-أن يكون بالنطق إذا كان حداً من حدود الله تعالى.

------------------------------

التكييف القانوني وحجية الإقرار والاعتراف بين مجلس القضاء والجهة الإدارية

يُعد تحديد الحجية القانونية للإقرار والاعتراف والتمييز بين صدورهما أمام القضاء أو أمام الجهة الإدارية (مثل مكاتب التحقيق، أو اللجان الإدارية، أو مأموري الضبط القضائي) أحد أدق المحاور القانونية في قانون الإثبات اليمني المعدل والقانون الجزائي اليمني. [1, 2] 

وللوقوف على الأثر القانوني الدقيق، يجب أولاً التمييز الاصطلاحي بين الإقرار والاعتراف في التشريع اليمني؛ فالإقرار ينصرف كأصل عام إلى المسائل المدنية والتجارية (إخبار الشخص بحق عليه لغيره)، بينما يُطلق الاعتراف في المسائل الجزائية والجنائية (إسناد المتهم الجريمة لنفسه). وتختلف حجيتهما بشكل جوهري بحسب الجهة التي صُدر أمامها: [1, 2, 3] 

1. الحجية أمام القضاء (الإقرار/الاعتراف القضائي)

* في المواد المدنية (الإقرار القضائي): وفقاً للمادة (87) من قانون الإثبات اليمني، يُعد الإقرار الصادر أمام المحكمة في مجلس القضاء حجة قاطعة على المقر، ويُعفى الخصم تماماً من تقديم أي بينة أخرى. هذا الإقرار القضائي يغل يد المحكمة ويلزمها بالحكم بموجبه، ولا يجوز للمقر الرجوع عنه مطلقاً إلا إذا أثبت كذبه بظاهر الحال أو خطأه بيقين. [4, 5, 6] 

* في المواد الجزائية (الاعتراف القضائي): إذا انصب الاعتراف على جريمة وصدر أمام قاضي الموضوع في جلسة علنية، فإنه يكتسب قوة ثبوتية عالية. ومع ذلك، لا يُعد حجة مطلقة؛ إذ يظل خاضعاً لسلطة القاضي التقديرية في مطابقتها للعقل والمنطق وبقية أدلة الدعوى، وللمتهم حق العدول عنه. [2, 3, 7] 

"المبحث الثاني" نطاق الحجية وبطلان الإقرار خارج مجلس القضاء)،

 تبين كيف أن المشرع اليمني المعدل حمى الخصوم من التعسف الإداري، وجعل الحجية المطلقة والملزمة محصورة فقط بما يدور تحت سقف الميزان وبإشراف السلطة القضائية المستقلة. [4, 8] 

2. الحجية أمام الجهة الإدارية (الإقرار/الاعتراف غير القضائي)

الجهة الإدارية (مثل محاضر جمع الاستدلالات لدى الشرطة، أو لجان التحقيق الإداري في الوزارات والمؤسسات، أو مكاتب العمل) لا تُعد "مجلس قضاء"، وبالتالي فإن ما يُدلى أمامها يقع تحت طائلة الإقرار أو الاعتراف غير القضائي: [7, 8] 

* في المواد المدنية والإدارية: الإقرار غير القضائي الذي يتم إثباته في محاضر إدارية أو محاضر صلح أمام جهة إدارية، لا يتمتع بالحجية القاطعة التلقائية. وتنص المادة (85) من قانون الإثبات على وجوب الإشهاد على الإقرار الشفهي خارج مجلس القضاء. وتخضع حجته للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع؛ فللقاضي أن يعتبره قريناً، أو دليلاً تكميلياً، أو يطرحه بالكلية إذا أثبت المقر أنه صدر نتيجة ضغط أو لبس، كما يجوز إثبات عكسه بكافة طرق الإثبات. [4, 8] 

* في المواد الجزائية (الاعتراف أمام مأموري الضبط/الجهات الإدارية): الاعترافات المدونة في محاضر جمع الاستدلالات لدى الجهات الأمنية أو الإدارية هي مجرد قرائن استدلالية وليست أدلة قطعية. ويشترط قانون الإجراءات الجزائية اليمني وقانون الإثبات لتأييد هذا الاعتراف أن يتمتّع بالرضا والحرية الكاملة، فإذا دفع المتهم أمام القاضي ببطلان اعترافه الإداري نتيجة الإكراه المادي أو المعنوي، سقطت حجيته ما لم تدعمه قرائن مادية قاطعة تؤيد صحة الواقعة. [3, 8]

اخيرا: الخاتمة

تأسيساً على ما تقدم، نخلص إلى أن الإقرار في قانون الإثبات اليمني المعدل ليس مجرد وسيلة إثبات عادية، بل هو حجة قاطعة تلزم المقرّ بما أقر به وتنهي الخصومة في حدود إقراره. وقد أثبتت النصوص القانونية المعدلة مدى مرونة المشرع اليمني وحرصه على التوفيق بين القواعد الفقهية المستقرة والواقع العملي في المحاكم، من خلال وضع ضوابط صارمة تمنع استغلال الإقرار أو التدليس فيه، وتضمن صدوره عن إرادة حرة واعية.

إن القيمة القانونية للإقرار تظل محكومة بمدى توفر شروط صحته؛ فالإقرار الحقيقي هو الذي يجسد الحقيقة ويحقق العدالة، وليس ذلك الذي يشوبه إكراه أو غلط. ونختم هذا المقال بالتأكيد على أن الفهم الدقيق لأحكام الإقرار وتعديلاته التشريعية يمثل أداة جوهرية لرجال القضاء والمحامين على حد سواء، مما يسهم في تسريع وتيرة التقاضي واستقرار المعاملات القانونية في المجتمع اليمني.

المراجع:

١-قانون  الاثبات الشرعي اليمني قرار جمهوري بالقانون رقم ( 21) لسنة1992م   بشأن الإثبات (وتعديلاته)

https://agoyemen.net/lib_details.php?id=31

يمكنك الاعتماد على الروابط والمراجع الرسمية التالية لتوثيق مقالك القانوني وإدراجه ضمن الهوامش والمصادر:

1. المراجع الرسمية لقانون الإثبات اليمني

* النص التشريعي الكامل: يمكنك تصفح النص التشريعي الأصلي والتعديلات القانونية الصادرة من رئاسة الجمهورية اليمنية عبر مراجعة وثيقة [قانون الإثبات اليمني - مكتب النائب العام](https://agoyemen.net/lib_details.php?id=31) أو تحميل النسخة النصية الكاملة المباشرة عبر [جامعة مينيسوتا لحقوق الإنسان](https://hrlibrary.umn.edu/arabic/Yemeni_Laws/Yemeni_Laws5.pdf).

* الاطلاع على مواد التعديل المتخصصة: لمراجعة تفاصيل التعديلات المتعلقة بآليات الإثبات والشهادة ونصابها الشفهي، يمكنك قراءة [قانون رقم 20 لسنة 1996 بشأن تعديل قانون الإثبات](https://www.yemen-nic.info/db/laws_ye/detail.php?ID=11480).

٢-الدعوى والاثبات في الفقه الاسلامي

اعداد :الكاتب القانوني عادل الكردسي

 للاستشارات القانونية والاستفسارات

 في مسائل قانونية جنائية ومدنية مسائل في القانون اليمني 777543350 واتس اب770479679 واتس آب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الوصيه الواجبة في قانون الأحوال الشخصية اليمني

جدول الديات والاروش اليمني pdf

أسباب فسخ عقد الزواج في قانون الأحوال الشخصية

الحقوق الواردة في القانون المدني اليمني

نموذج عريضة دعوى مستعجلة بطلب منع التعرض وإزالة العدوان