دليل المحامي في تشريح الأحكام القضائية: بين عيوب التسبيب ومعوقات الحرية
مقدمة:
في عالم المحاماة، لا تكمن القوة في سرد الوقائع فحسب، بل في القدرة على "تفكيك" الحكم القضائي واستخراج مواطن الخلل فيه. إن الخلط بين المفاهيم القانونية الدقيقة عند صياغة الطعون قد يكون الثغرة التي تُفقد صاحب الحق حقه. في هذا المقال، نستعرض دليلاً عملياً للتمييز بين أخطاء الأحكام الشائعة، ونناقش تحديات واقعية تواجه تنفيذ أحكام البراءة.
أولاً: بوصلة الطاعن.. كيف تفرق بين عيوب الحكم؟
كثيراً ما يختلط الأمر على الزملاء عند تحرير أسباب الطعن أمام محكمتي الاستئناف والعليا، ولعل أبرز هذه الخلطات ما يقع بين:
1. معركة "الواقع والدليل" (مخالفة الثابت vs الخطأ في الإسناد):
- مخالفة الثابت في الأوراق: هي "قلب للحقيقة"، كأن يقرر الحكم واقعة عكس ما نطق به المستند (خلل في فهم الواقع).
- الخطأ في الإسناد: هو "تحريف للدلالة"، كأن ينسب الحكم لتقرير خبير كلاماً لم يقله (خلل في نقل الدليل).
2. معركة "الفهم والتطبيق" (الخطأ في القانون vs الخطأ في التأويل):
- الخطأ في التطبيق: النص صحيح، لكن القاضي أنزله على واقعة لا تشبهه (سوء اختيار الأداة).
- الخطأ في التأويل: القاضي أخطأ في فهم معنى النص وتفسيره قبل أن يبدأ بتطبيقه (سوء فهم الأداة).
ثانياً: عندما تصبح الحرية "مشروطة" (قراءة في تعميم النيابة رقم 11)
رغم أن المادة (472) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني صريحة في وجوب إخلاء سبيل المبرأ فوراً، إلا أن الواقع العملي اصطدم بـ التعميم رقم (11) لسنة 2024م.
لماذا يمثل هذا التعميم عائقاً؟
- تعجيز مالي: اشتراط ضمانة تجارية بـ 30 مليون ريال يحول الحرية من "حق" إلى "امتياز للأثرياء".
- مخالفة دستورية: تقييد حرية التنقل ومنع السفر للمبرأ (وضامنه!) دون سند قضائي يمس جوهر قرينة البراءة.
- تفاوت إجرائي: نجد تبايناً حاداً في تطبيق هذا التعميم بين النيابات، مما يضرب مبدأ "وحدة العدالة" في مقتل.
ثالثاً: المنهجية الثلاثية لتقييم قوة أي حكم قضائي
قبل أن تبدأ بكتابة طعنك، مرر الحكم على هذا الميزان الثلاثي للتأكد من صموده أو تهافته:
- المستوى الشكلي (الوجود): هل صدر من جهة مختصة واستوفى البيانات القانونية؟
- المستوى الموضوعي (السلامة): هل تم إنزال النص القانوني على الواقعة بشكل سليم؟
- المستوى القيمي (الواقعية): هل حقق الحكم "روح القانون" والإنصاف أم كان جافاً بعيداً عن الحقيقة اليقينية؟
خاتمة:
إن مهنة المحاماة هي حراسة العدالة، وحراستها تبدأ من دقة الكلمة وصحة التكييف القانوني. نسأل الله التوفيق والسداد لنا ولكم في إرساء دعائم الحق.
بقلم/ الكاتب القانوني عادل الكردسي
2026/02/21م
تعليقات
إرسال تعليق