النفقة في قانون الاحوال الشخصية اليمني

 

النفقة  في  قانون  الاحوال الشخصية  اليمني:

 دراسة قانونية شاملة لأحكامها وشروط استحقاقها وسقوطها

🖋️ الكاتب القانوني عادل الكردسي

(مراجعة ونشر: الكاتب القانوني عادل الكردسي - تاريخ النشر: 2026/07/25م)

​مقدمة

​تُعد النفقة من أهم الآثار التي تترتب على عقد الزواج الصحيح، وهي من الحقوق المالية التي أوجبها الشرع على الزوج تجاه لزوجته، تحقيقاً لمقاصد الزواج في السكن والمودة والرحمة، وضماناً لاستقرار الأسرة وصيانة كرامة الزوجة. ولذلك لم يجعلها المشرع اليمني منحةً أو تبرعاً من الزوج، وإنما التزاماً شرعياً وقانونياً واجب الأداء متى توافرت شروط استحقاقها.

​وقد نظم قانون الأحوال الشخصية اليمني أحكام النفقة في عدد من مواده، فبدأ بالنص على الالتزامات الزوجية العامة في المادة (41)، ثم أفرد باباً مستقلاً نفقة الزوجية في المواد (150-156)، كما نظم نفقة الأقارب في المواد (157-167)، وأورد أحكاماً خاصة بنفقة العدة والحضانة وغيرها. والنفقة في اللغة مأخوذة من الإنفاق، وهو الإخراج والصرف.

​أولاً: ماهية النفقة ومشروعيتها وأحكامها في قانون الأحوال الشخصية اليمني

​أما المقصود بالنفقة في القانون اليمني، فهي: ما يلتزم الشخص بأدائه لغيره بسبب الزوجية أو القرابة أو غيرهما من أسباب استحقاق النفقة التي قررها القانون، لتوفير ضروريات المعيشة وما يتبعها.

​وقد عرفها المشرع اليمني تعريفاً جامعاً في المادة (149) بقوله:

​«النفقة هي المؤن اللازمة في مال الشخص لغيره لسبب أو نسب، وتشمل الغذاء والكسوة والسكن والمعالجة والإخدام ونحو ذلك.»


​ويستفاد من هذا النص أن المشرع اليمني لم يقصر النفقة على الطعام أو الكسوة، وإنما جعلها تشمل جميع ما يحتاج إليه الإنسان للعيش الكريم بحسب حاله وظروفه. كما نصت المادة (41) من قانون الأحوال الشخصية على أن الزوج يجب عليه لزوجته:

  1. ​إعداد سكن شرعي يليق بمثلها من مثله.
  2. ​نفقة وكسوة مثلها من مثله.
  3. ​العدل بينها وبين سائر زوجاته إذا كان للزوج أكثر من زوجة.

​ويتضح من هذا النص أن النفقة ليست مجرد مبلغ مالي يدفع للزوجة، وإنما هي منظومة متكاملة من الالتزامات التي تكفل لها حياة مستقرة، وتشمل السكن اللائق، والإنفاق، والكسوة، فضلاً عن وجوب العدل بين الزوجات عند التعدد. ثم جاءت المادة (150) لتبين وقت وجوب النفقة ومداها، فنصت على أنه:

​«تجب النفقة للزوجة كيف كانت على زوجها كيف كان من وقت العقد إن شرطت، وإلا فمن تاريخ الزفاف، غذاءً وكساءً ومسكناً وفراشاً ومعالجةً، والعبرة بحال الزوج يسراً وعسراً، وتقدم نفقة الزوجة على غيرها من النفقات.»


​ويؤخذ من هذا النص أن الأصل هو وجوب نفقة الزوجة على زوجها، وأن هذا الالتزام لا يسقط بسبب غنى الزوجة أو فقرها، ولا بسبب يسارها ماليا، انما سببه قيام العلاقة الزوجية الصحيحة وتوافر شروط استحقاق النفقة. ومن مجموع هذه النصوص يتبين أن المشرع اليمني قرر عدة قواعد أساسية، أهمها:

  • ​أن النفقة حق ثابت للزوجة يلتزم به الزوج بحكم القانون.
  • ​أن النفقة تشمل جميع ضروريات المعيشة، ولا تقتصر على الطعام والكسوة.
  • ​أن تقدير النفقة يختلف باختلاف حال الزوج يسراً وعسراً.
  • ​أن نفقة الزوجة مقدمة على سائر النفقات التي تلزم الزوج.
  • ​أن النفقة تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وقد نظمها القانون بما يحقق استقرار الأسرة ويحفظ حقوق الزوجين.

​الأساس القانوني لوجوب نفقة الزوجة

​الأصل أن النفقة من الحقوق التي تثبت بسبب الزوجية الصحيحة، ولذلك فإن التزام الزوج بالإنفاق لا ينشأ باعتباره مقابلاً لخدمة تؤديها الزوجة، ولا باعتباره تبرعاً أو إحساناً، وإنما هو أثر مباشر من آثار عقد الزواج الذي رتب القانون عليه حقوقاً والتزامات متبادلة بين الزوجين.

​وقد نصت المادة (41) من قانون الأحوال الشخصية التزام الزوج بالنفقة والسكن والكسوة، ثم جاءت المادة (150) لتحدد وقت بدء هذا الالتزام، فنصت على أن النفقة تجب من وقت العقد إذا اشترطت الزوجة ذلك، وإلا فمن تاريخ الزفاف. ويتبين من هذا الحكم أن المشرع اليمني فرق بين أمرين وهما:

  • الأمر الأول: إذا اشترطت الزوجة عند العقد استحقاق النفقة من تاريخ العقد، فإنها تستحقها من تاريخ انعقاد الزواج.
  • الأمر الثاني: إذا لم يوجد هذا الشرط، فإن النفقة لا تجب إلا من تاريخ الزفاف والدخول في الحياة الزوجية. ويعد هذا التنظيم من الأحكام الخاصة التي قررها قانون الأحوال الشخصية اليمني، إذ جعل استحقاق النفقة مرتبطاً بما اتفق عليه الزوجان ابتداءً، فإن لم يوجد اتفاق رجع الحكم إلى الأصل الذي حدده القانون.

​مشتملات النفقة في القانون اليمني

​لم يترك المشرع اليمني تحديد مشتملات النفقة لاجتهاد القاضي أو لاختلاف الأعراف، وإنما وضع تعريفاً عاماً في المادة (149)، ثم بين في المادة (150) أهم مشتملاتها. وباستقراء تلك النصوص يتبين أن النفقة تشمل الآتي:

  1. الغذاء: وهو توفير الطعام والشراب بالقدر الذي يكفل للزوجة المعيشة المعتادة وفق حال الزوج.
  2. الكسوة: ويقصد بها الملابس التي تحتاج إليها الزوجة بحسب الفصل والعرف والبيئة الاجتماعية.
  3. السكن: ويجب أن يكون السكن شرعياً ومستقلاً ولائقاً بمثل الزوجة ومثل الزوج، وفقاً للمادة (41).
  4. الفراش: ويشمل ما تحتاج إليه الزوجة داخل المسكن من مستلزمات النوم والمعيشة المعتادة.
  5. المعالجة: وتشمل العلاج والدواء وما تستلزمه حالة الزوجة الصحية بحسب العرف والضرورة.
  6. أجرة الإخدام: ويقصد به توفير خادم أو أجرة خدمة إذا كانت الزوجة ممن جرى العرف أن تخدم، أو كانت حالتها الصحية أو الاجتماعية تستوجب ذلك، وبما يتناسب مع يسار الزوج.

​ثم انتهى نص المادة (149) بقوله: «... ونحو ذلك.» ودلالة هذا التعبير يؤكد على أن مشتملات النفقة ليست محصورة، وإنما تمتد إلى كل ما يعد من ضروريات المعيشة بحسب تغير الزمان والمكان وكذا العرف، بما يحقق الغاية التي قصدها المشرع في توفير الحياة الكريمة لمن تجب له النفقة.

​معيار تقدير النفقة في القانون اليمني

​من المسائل المهمة التي حسمها قانون الأحوال الشخصية اليمني أن النفقة لا تقدر بمبلغ ثابت، ولا بنسبة معينة، وإنما تختلف باختلاف الأحوال. فقد نصت المادة (150) صراحة على أن: «العبرة بحال الزوج يسراً وعسراً.»

​ويترتب على ذلك أن المحكمة عند تقديرها للنفقة تراعي المركز المالي للزوج، فلا تكلف المعسر ما يعجز عنه، ولا تمكن الموسر من التهرب من واجبه بحجة عدم وجود مقدار محدد في القانون. حيث لم يترك القانون تحديد اليسار والإعسار لاجتهاد القاضي وحده، وإنما وضع لهما معياراً في المادة (166). فالشخص يعد موسراً إذا كان يملك من المال أو الدخل ما يزيد على ما يكفيه ويكفي من تلزمه نفقته ممن هو أخص من القريب المعسر، وفقاً للمعيار الذي قررته المادة (166).

​تقديم نفقة الزوجة على غيرها من النفقات

​من الأحكام التي انفرد قانون الأحوال الشخصية بالنص عليها أن نفقة الزوجة مقدمة على غيرها من النفقات.

​فقد نصت المادة (150) في ختامها على انه «وتقدم نفقة الزوجة على غيرها من النفقات.» ويترتب على هذا الحكم أن الزوج إذا أعسر مالياً، فإن نفقة زوجته تكون أولى بالوفاء قبل غيرها من النفقات التي تلزمه، لأن العلاقة الزوجية توجب عليه إعالتها والإنفاق عليها ابتداءً، ولأن استقرار الأسرة من المقاصد التي حرص عليها المشرع. وهذا لا يعني سقوط بقية النفقات، وإنما ترتيب الأولوية عند عدم كفاية الإنفاق.

​شروط استحقاق الزوجة للنفقة

​الأصل أن نفقة الزوجة حق ثابت على زوجها، إلا أن هذا الحق لا يثبت إلا بتوافر الشروط التي قررها قانون الأحوال الشخصية. فإذا اختل أحد هذه الشروط، سقط حق الزوجة في النفقة طوال مدة قيام سبب السقوط. ومن خلال نصوص المواد (41، 150، 151، 152) من قانون الأحوال الشخصية، يتبين أن استحقاق الزوجة للنفقة يقوم على الشروط الآتية:

  • الشرط الأول (قيام عقد زواج صحيح): فالنفقة الزوجية لا تثبت إلا إذا كانت العلاقة الزوجية قائمة على عقد زواج صحيح مستوفٍ لأركانه وشروطه، لأن النفقة أثر من آثار الزواج الصحيح.
  • الشرط الثاني (بدء استحقاق النفقة وفقاً للقانون): تبدأ النفقة من وقت العقد إذا اشترطت الزوجة ذلك، وإلا فمن تاريخ الزفاف، وفقاً لما نصت عليه المادة (150).
  • الشرط الثالث (بقاء الزوجية أو قيام سبب شرعي يوجب استمرار النفقة): فالزوجة تستحق النفقة أثناء قيام الزوجية، كما تستحقها في بعض الحالات بعد الطلاق إذا نص القانون على ذلك، كالمطلقة رجعياً، والمطلقة الحامل، وفقاً للمادة (151).
  • الشرط الرابع (عدم قيام سبب من أسباب سقوط النفقة): فالأصل هو استحقاق النفقة، والاستثناء هو سقوطها، ولا يجوز التوسع في أسباب السقوط أو القياس عليها، لأنها وردت على سبيل الحصر في المادة (152). ويتبين من ذلك أن المشرع اليمني جعل الأصل حماية حق الزوجة في النفقة، ولم يجز حرمانها منه إلا بنص قانوني صريح.

​متى تبدأ نفقة الزوجة؟

​قرر المشرع اليمني بداية استحقاق نفقة الزوجة بنص واضح في المادة (150)، إذ جاء فيه: «تجب النفقة للزوجة كيف كانت على زوجها كيف كان من وقت العقد إن شرطت، وإلا فمن تاريخ الزفاف...»

​ويستفاد من هذا النص أن القانون فرق بين حالتين:

  • الحالة الأولى: إذا اشترطت الزوجة عند العقد استحقاق النفقة من تاريخ العقد، فإنها تستحقها من ذلك التاريخ ولو تأخر الزفاف.
  • الحالة الثانية: إذا لم يوجد هذا الشرط، فإن النفقة لا تبدأ إلا من تاريخ الزفاف وانتقال الحياة الزوجية إلى مرحلة التنفيذ. وإذا خلا عقد الزواج من اشتراط النفقة من تاريخ العقد فإن النفقة لا تستحق إلا من تاريخ الزفاف.

​حالات سقوط نفقة الزوجة

​سبق القول بأن نفقة الزوجة واجبة على زوجها، إلا أن المشرع اليمني حدد على سبيل الحصر الحالات التي يسقط فيها هذا الحق. فقد نصت المادة (152) على أنه «لا نفقة للزوجة في الأحوال التالية: أ- إذا امتنعت عن الانتقال إلى بيت الزوجية من دون عذر شرعي. ب- إذا تركت بيت الزوجية من دون عذر شرعي. ج- إذا عملت خارج البيت دون موافقة زوجها مع مراعاة أحكام المادة (40). د- إذا امتنعت من السفر مع زوجها دون عذر شرعي مع مراعاة أحكام المادة (40).» ومن خلال هذا النص يتبين أن سقوط النفقة يكون في أربع حالات وهي:

  1. الامتناع عن الانتقال إلى بيت الزوجية دون عذر شرعي: إذا طلب الزوج من زوجته الانتقال إلى منزل الزوجية المستوفي للشروط الشرعية، وامتنعت عن ذلك دون سبب مشروع، فإن حقها في النفقة يسقط طوال مدة الامتناع. أما إذا كان الامتناع بسبب عذر شرعي، كعدم صلاحية المسكن، أو أنه غير آمن، أو عدم دفع المهر المعجل الذي يحق لها الامتناع بسببه وفق المادة (39)، فإن النفقة لا تسقط.
  2. ترك بيت الزوجية دون عذر شرعي: إذا خرجت الزوجة من منزل الزوجية بإرادتها دون مبرر شرعي، فإنها تفقد حقها في النفقة طوال مدة الترك. أما إذا كان خروجها بسبب ضرر، أو خوف على النفس أو المال، أو لأي سبب يقره الشرع أو القانون، فلا يسقط حقها في النفقة.
  3. العمل خارج المنزل دون موافقة الزوج: إذا باشرت الزوجة عملاً خارج المنزل دون موافقة زوجها، ترتب على ذلك سقوط نفقتها، مع مراعاة أحكام المادة (40) المتعلقة بحقها في الاشتراط أو العمل في الحالات التي أجازها القانون. ويفهم من إحالة المادة (152) إلى المادة (40) أن سقوط النفقة ليس حكماً مطلقاً، وإنما يخضع لضوابط قررها القانون بشأن عمل الزوجة.
  4. الامتناع عن السفر مع الزوج دون عذر شرعي: إذا انتقل الزوج إلى محل إقامة آخر، وطلب من زوجته السفر معه، وامتنعت دون عذر شرعي، فإن نفقتها تسقط طوال مدة الامتناع. أما إذا كان الامتناع قائماً على سبب مشروع يقره القانون أو الشريعة، فلا يسقط حقها في النفقة.

​ولما كان ذلك فإنه لا يجوز التوسع في حالات سقوط نفقة الزوجة، وبذلك فإن أي سبب لم يرد في المادة (152) لا يصلح وحده لإسقاط النفقة، ما لم يوجد نص قانوني آخر يقضي بذلك.

​النفقة السابقة وحكم للمطالبة بها

​من المسائل التي نظمها المشرع اليمني في قانون الأحوال الشخصية، أحكام النفقة السابقة على رفع الدعوى. فقد نصت المادة (153) على أنه «لا يسقط حق الزوجة في الماضي بالمطل، ولا في المستقبل بالإبراء... ويجوز للزوجة إبراء الزوج مما استحقته من النفقة في الماضي...» كما نصت المادة (156) على أنه «لا يحكم للزوجة بأكثر من نفقة سنة سابقة على المطالبة القضائية ما لم يتفق الزوجان على خلاف ذلك.» ويستفاد من تلك النصوص عدة أحكام مهمة، وهي:

  1. ​أن امتناع الزوج عن الإنفاق لا يؤدي إلى سقوط النفقة الماضية.
  2. ​أن النفقة الماضية تصبح ديناً ثابتاً في ذمة الزوج.
  3. ​يجوز للزوجة إبراء زوجها من النفقة الماضية بعد استحقاقها.
  4. ​لا يجوز للمحكمة أن تقضي بأكثر من نفقة سنة سابقة على رفع الدعوى، إلا إذا وجد اتفاق صحيح بين الزوجين يقضي بغير ذلك.

​ويلاحظ أن المادة (156) قررت أن المحكمة لا تحكم بأكثر من نفقة سنة سابقة على المطالبة القضائية، ما لم يتفق الزوجان على خلاف ذلك، وهو الحكم الذي يلتزم به القضاء عند الفصل في الدعوى. حيث فرق المشرع اليمني في قانون الأحوال الشخصية بين النفقة السابقة والنفقة المستقبلية. فقد نصت المادة (153) على أنه «لا يسقط حق الزوجة في الماضي بالمطل، ولا في المستقبل بالإبراء...» ويستخلص من ذلك عدة أمور منها:

  • ​يجوز للزوجة أن تبرئ زوجها من النفقة الماضية، لأنها أصبحت ديناً مستقراً في ذمته.
  • ​أما النفقة المستقبلية فلا يصح التنازل عنها مقدماً، لأن سبب استحقاقها يتجدد يوماً بعد يوم، ولأنها تتعلق بحقوق معيشية لم تنشأ بعد. ويعد هذا الحكم من الضمانات التي قررها القانون حمايةً للزوجة من التنازل المسبق عن حق قد تحتاج إليه مستقبلاً.

​أحكام النفقة الزوجية في حالات الامتناع والغياب والإعسار

​أولاً: امتناع الزوج عن الإنفاق أو غيابه

​قد يمتنع الزوج عن الإنفاق مع قدرته، أو يغيب عن زوجته دون أن يترك لها ما تنفق منه. وقد عالج المشرع هذه الحالة في المادة (154)، فنصت على أنه «إذا تمرد الزوج عن الإنفاق على زوجته أو غاب وثبت أنه لا ينفق عليها قرر لها القاضي نفقة من مال زوجها... والقول للزوجة في نفي الإنفاق في الماضي.» ويستفاد من هذا النص أن القانون منح الزوجة ضمانات عديدة، منها:

  1. ​حقها في اللجوء إلى القضاء لإلزام الزوج بالنفقة.
  2. ​حق المحكمة في تقرير النفقة من أموال الزوج.
  3. ​أن الأصل في النزاع حول الإنفاق السابق هو قبول قول الزوجة في نفي الإنفاق، ما لم يثبت الزوج خلاف ذلك.

​ويعد هذا الحكم من أهم الضمانات التي كفلها قانون الأحوال الشخصية لحماية الزوجة من تعسف الزوج أو امتناعه عن أداء واجبه الشرعي والقانوني.

​ثانياً: تعذر الحصول على النفقة من الزوج

​قد يتعذر تنفيذ الحكم بالنفقة بسبب غياب الزوج، أو إعساره، أو تعذر الوصول إلى أمواله. ولهذا نصت المادة (155) على أنه «إذا تعذر حصول المرأة على النفقة من زوجها كانت نفقتها على من تجب عليه فيما لو كانت غير متزوجة... ويكون لمن أدى النفقة الرجوع على الزوجة بما أداه، وهي ترجع على الزوج.» ويتبين من هذا النص أن المشرع لم يترك الزوجة بلا نفقة، وإنما وضع نظاماً يضمن استمرار إعالتها، مع احتفاظ من أدى النفقة بحقه في الرجوع وفق الترتيب الذي رسمه القانون.

​ثالثاً: الفسخ بسبب امتناع الزوج عن النفقة

​لم يكتف قانون الأحوال الشخصية بإلزام الزوج بالنفقة، بل منح الزوجة وسيلة لإنهاء العلاقة الزوجية إذا أصبح استمرارها يوقع عليها ضرراً بسبب الامتناع عن الإنفاق. فقد نصت المادة (50) على أن «لزوجة المتمرد عن الإنفاق في حالة اليسار الفسخ إذا تعذر استيفاء حقها في النفقة منه أو من ماله.» كما نصت المادة (51) على أن «لزوجة المعسر عن الإنفاق المتمرد عن الكسب وهو قادر عليه أو العاجز عنه الفسخ إذا امتنع عن الطلاق.» ويتبين من هذه النصوص أن القانون ميز بين حالتين هما:

  • الحالة الأولى (الزوج الموسر الممتنع عن الإنفاق): فإذا كان قادراً على النفقة، وتعذر استيفاء حق الزوجة في النفقة منه أو من أمواله، كان لها الحق في طلب الفسخ.
  • الحالة الثانية (الزوج المعسر): سواء كان متمرداً عن الكسب مع قدرته عليه، أو عاجزاً عنه، فإذا امتنع عن الطلاق، جاز للزوجة طلب الفسخ حمايةً لها من الضرر.

​ولا يترتب على مجرد امتناع الزوج عن الإنفاق أو إعساره وقوع الفسخ تلقائياً، وإنما لا يتحقق الفسخ إلا بحكم قضائي يصدر من المحكمة المختصة بعد رفع الدعوى وتوافر الشروط التي حددها القانون. كما أن المحكمة لا تقضي بالفسخ بمجرد تقديم الطلب، وإنما تتحقق من قيام سببه، وقد تمهل الزوج فرصة مناسبة للإنفاق أو للطلاق بحسب الأحوال، فإن استجاب زال موجب الفسخ، وإن استمر في امتناعه مع توافر الشروط القانونية، حكمت المحكمة بالفسخ.

​ويؤكد ذلك أن الفسخ في هذه الحالات يعد وسيلة قضائية لحماية الزوجة من الضرر الناشئ عن الإخلال بواجب النفقة، وليس أثراً يترتب تلقائياً بمجرد تحقق سبب الامتناع، الأمر الذي يحقق التوازن بين حماية حق الزوجة في النفقة ومنح الزوج فرصة لتنفيذ التزامه أو إنهاء العلاقة الزوجية بالطلاق قبل الحكم بالفسخ.

​نفقة المطلقة وأثر ذلك على استحقاقها للنفقة

​لم يجعل المشرع اليمني جميع المطلقات في مركز قانوني واحد بالنسبة للنفقة، وإنما فرق بين أنواع الطلاق، ورتب لكل منها أحكاماً تختلف بحسب طبيعة الرابطة الزوجية وآثارها. وقد نصت المادة (151) من قانون الأحوال الشخصية على أنه «تجب على الزوج نفقة زوجته المطلقة منه رجعياً والحامل مطلقاً إلى أن تنتهي العدة.» ويستفاد من هذا النص أن النفقة بعد الطلاق تثبت في حالتين فقط:

  • الحالة الأولى (المطلقة طلاقاً رجعياً): تبقى الزوجة المطلقة طلاقاً رجعياً مستحقة للنفقة طوال مدة العدة، لأن الرابطة الزوجية لا تزال قائمة حكماً، ويملك الزوج مراجعتها دون عقد أو مهر جديدين، ولذلك ألزم القانون الزوج بالإنفاق عليها حتى انتهاء عدتها.
  • الحالة الثانية (المطلقة الحامل): سواء كان الطلاق رجعياً أم بائناً، فإن الحمل يوجب استمرار النفقة إلى حين انتهاء العدة بوضع الحمل، لأن النفقة في هذه الحالة تتعلق أيضاً بحق الجنين الذي أوجب الشرع والقانون رعايته. ويتبين من خلال ذلك أن المشرع اليمني لم يجعل نوع الطلاق وحده هو المعيار، وإنما راعى كذلك وجود الحمل باعتباره سبباً مستقلاً لاستمرار النفقة.

​وقد وردت التفرقة بين نصوص المواد (86، 87) من قانون الأحوال الشخصية، فقد نصت المادة (86) على أن من آثار العدة في الطلاق الرجعي: 1- الرجعة. 2- التوارث بين الزوجين. 3- عدم جواز خروج الزوجة إلا بإذن زوجها. 4- وجوب السكن. 5- وجوب النفقة. 6- تحريم الزواج بمن يحرم الجمع بينها وبين المطلقة. 7- تحريم الزواج بخامسة. 8- استئناف العدة في الأحوال التي بينها القانون. بينما المادة (87) فقد نصت على أن من آثار العدة في الطلاق البائن: 1- عدم الرجعة. 2- عدم التوارث. 3- جواز خروج المطلقة دون إذن. 4- عدم وجوب السكن. 5- عدم وجوب النفقة. 6- جواز الزواج بمن يحرم الجمع بينها وبين المطلقة. ومن مقارنة النصين يتضح أن المشرع ربط استمرار النفقة والسكن ببقاء بعض آثار الزوجية، فأبقاهما في الطلاق الرجعي، وأسقطهما في الطلاق البائن، مع بقاء الحكم الخاص بالمطلقة الحامل الوارد في المادة (151).

​نفقة الأولاد

​أولى المشرع اليمني نفقة الأولاد عناية خاصة، وجعلها من الالتزامات الأساسية التي تقع على عاتق الأب ابتداءً، تحقيقاً لمقاصد الشريعة في حفظ النفس ورعاية الأبناء، ولم يجعل استحقاق النفقة مرتبطاً بمجرد صغر السن، وإنما ربطه بالحاجة والقدرة على الكسب والحالة الصحية والتعليمية، مع وضع ترتيب دقيق لمن يتحمل النفقة عند تعذر إلزام الأب بها. وقد نظمت المواد (158، 159) من قانون الأحوال الشخصية هذه الأحكام، ويمكن تفصيلها فيما يأتي:

​أولاً: نفقة الولد الصغير أو المجنون

​نصت المادة (158) على أن «نفقة الولد المعسر الصغير أو المجنون على أبيه وإن علا، الأقرب فالأقرب، موسراً كان أو معسراً قادراً على الكسب، فإن كان الأب وإن علا معسراً غير قادر على الكسب فعلى الأم الموسرة، ثم على سائر الأقارب بالشروط المبينة في المادة (164) من هذا القانون، وإذا كان الولد موسراً فنفقته من ماله.» ويتضح من هذا النص أن القانون رتب الالتزام بالنفقة وفق الترتيب الآتي:

  1. ​الأصل أن نفقة الولد الصغير المعسر أو المجنون تقع على الأب، ثم على الأب وإن علا، الأقرب فالأقرب، وفقاً للمادة (158).
  2. ​لا يعفى الأب من النفقة لمجرد إعساره إذا كان قادراً على الكسب، إذ يبقى ملتزماً بالإنفاق متى استطاع تحصيل الرزق.
  3. ​إذا كان الأب والجد معسرين وعاجزين عن الكسب، انتقل الالتزام إلى الأم إذا كانت موسرة.
  4. ​فإن تعذر ذلك، وجبت النفقة على سائر الأقارب بالشروط المبينة في المادة (164).
  5. ​أما إذا كان للولد مال يكفي لنفقته، فإن نفقته تكون من ماله، ولا تلزم غيره.

​ثانياً: نفقة الولد البالغ

​لم يعتبر المشرع اليمني بلوغ الولد سبباً لانقطاع النفقة بصورة مطلقة، وإنما نصت المادة (159) على استمرارها متى بقي سبب الاستحقاق قائماً، فنصت على ان «نفقة الولد البالغ العاقل المعسر العاجز عن الكسب أو المشغول بطلب العلم إلى الثانوية العامة أو ما في مستواها بشرط ألا يتجاوز سن العشرين لنيلها على أبيه إن كان موسراً، فإن كان معسراً فعلى الأم إن كانت موسرة، إلا أن يكون له ولد موسر فنفقته على ولده الموسر...» ويستفاد من هذا النص أن نفقة الولد البالغ تستمر في الحالات الآتية:

  1. ​إذا كان بالغاً ولكنه معسر وعاجز عن الكسب بسبب مرض أو عجز يمنعانه من العمل.
  2. ​إذا كان متفرغاً لطلب العلم حتى الثانوية العامة أو ما يعادلها، بشرط ألا يتجاوز عمره عشرين سنة.
  3. ​يشترط في هذه الحالات أن يكون الأب موسراً.
  4. ​فإن كان الأب معسراً، انتقلت النفقة إلى الأم إذا كانت موسرة.
  5. ​وإذا كان للولد ولد موسر، أصبحت النفقة واجبة عليه وفق ما قرره القانون.

​ثالثاً: نفقة البنت

​خص المشرع البنت بحكم يختلف عن الابن، فنصت المادة (159) على أن «وحكم نفقة البنت البالغة المعسرة ولو كانت قادرة على الكسب ولكنها لا تتكسب إذا كانت غير متزوجة حكم نفقة الصغير المبين في المادة السابقة.» ويترتب على ذلك أن البنت غير المتزوجة تستحق النفقة إذا كانت معسرة، حتى ولو كانت قادرة على العمل لكنها لا تعمل فعلاً، ويعامل استحقاقها معاملة نفقة الصغير، فتكون نفقتها وفق الحكم والترتيب المنصوص عليهما في المادة (158).

​ومن مجموع هذه النصوص يتبين أن المشرع اليمني لم يجعل نفقة الأولاد مرتبطة بالسن وحده، وإنما ربطها بالحاجة والإعسار والعجز عن الكسب أو الانشغال بالتعليم، مع وضع ترتيب واضح للملزمين بالنفقة بما يحقق حماية الأبناء ويضمن استمرار إعالتهم.

​نفقة الأقارب

​لم يقصر قانون الأحوال الشخصية اليمني النفقة على الزوجية والأولاد، وإنما أوجبها كذلك بين الأقارب تحقيقاً لمبدأ التكافل الأسري الذي تقوم عليه الشريعة الإسلامية، إلا أنه وضع لهذا الالتزام شروطاً وضوابط دقيقة تحدد من يستحق النفقة ومن يلتزم بها وكيفية توزيعها. وقد نظمت المواد (157) إلى (167) من قانون الأحوال الشخصية هذه الأحكام، ويمكن استخلاص أهمها فيما يأتي:

​أولاً: اختلاف الدين وأثره في النفقة

​نصت المادة (157) على أنه «لا نفقة للأقارب مع اختلاف الدين إلا للأصول...» ويستفاد من ذلك أن اختلاف الدين يمنع وجوب النفقة بين الأقارب، باستثناء الأصول، مراعاة لما لهم من مكانة خاصة في الشريعة والقانون. كما قررت المادة ذاتها أن نفقة الأقارب تقدر فور حاجة المنفق عليه، ويلتزم بها من أوجبها القانون عليه. ومعنى ذلك أن نفقة القريب لا تتوقف على صدور حكم قضائي، وإنما تستحق من وقت تحقق الحاجة.

​ثانياً: شروط استحقاق نفقة الأقارب

​أوجبت المادة (164) نفقة القريب إذا توافرت الشروط الآتية:

  1. ​أن يكون القريب معسراً.
  2. ​أن يكون عاجزاً عن الكسب.
  3. ​أن يكون المنفق موسراً.
  4. ​أن يكون المنفق وارثاً له لو فرض موته، فقد نصت المادة (164) على أنه «تجب نفقة القريب المعسر العاجز عن الكسب على قريبه المؤسر الوارث لو فرض موته...»

​ثالثاً: تعدد الملزمين بالنفقة

​إذا تعدد الأشخاص الذين يلزمهم الإنفاق، فإن القانون لم يجعل النفقة على أحدهم وحده، وإنما وزعها بينهم بحسب أنصبتهم في الإرث. فقد نصت المادة (164) بقولها: «وإذا تعدد الورثة المؤسرون تكون النفقة عليهم جميعاً كل بقدر حصته في الميراث.» وبذلك يتحقق العدل بين الملزمين بالنفقة، فلا يتحمل أحدهم وحده كامل العبء مع وجود غيره ممن يشاركه في الإرث.

​رابعاً: الإخدام للأقارب

​أجاز القانون الإخدام لبعض الأقارب، إلا أنها مشروطة بحالة العجز. فقد نصت المادة (164) على أنه «والإخدام للأقارب لا يجب إلا للعجز.» ومعنى ذلك أن خادم أو أجرة الخدمة لا تجب لكل قريب، وإنما لمن كانت حالته الصحية أو البدنية تستوجب ذلك.

​خامساً: سقوط النفقة السابقة المقررة للأقارب

​فرق المشرع بين نفقة الزوجة ونفقة الأقارب، فنصت المادة (165) على أنه «تسقط نفقة القريب عن المدة الماضية بعدم المطالبة ممن تلزمه النفقة إلا إذا كان المنفق عليه والداً أو ولداً صغيراً أو مجنوناً.» وعليه فإن الأصل سقوط نفقة الأقارب الماضية إذا لم تتم المطالبة بها، واستثنى القانون من ذلك نفقة الوالدين ونفقة الولد الصغير أو المجنون، حمايةً لهم لكونهم أشد حاجة للرعاية.

​ومن مجموع هذه النصوص يتبين أن المشرع اليمني أقام نظام نفقة الأقارب على أساس الحاجة والإعسار والقدرة المالية، وربطه بقواعد الإرث، بما يحقق التكافل بين أفراد الأسرة دون تحميل شخص واحد عبء النفقة مع وجود غيره ممن يشاركه المسؤولية.

​نفقة الوالدين

​أولى المشرع اليمني الوالدين عناية خاصة، وأوجب نفقتهما عند الإعسار على أولادهما الموسرين، وجعل هذا الالتزام من أهم صور البر والتكافل الأسري، كما منح نفقة الوالدين أولوية على نفقة سائر الأقارب. فقد نصت المادة (161) من قانون الأحوال الشخصية على أن:

​«نفقة الأب وإن علا والأم وإن علت المعسرين ولو كانا قادرين على الكسب على الولد وإن نزل الأقرب المؤسر ذكراً كان أو أنثى كبيراً أو صغيراً، وتقسم بين أولاد الطبقة الواحدة المؤسرين بحسب الإرث، وتقدم نفقة الأم ثم نفقة الأب على نفقة سائر الأقارب.»


​ويستفاد من هذا النص الأحكام الآتية:

  1. ​تجب نفقة الأب والأجداد، وكذلك الأم والجدات، متى كانوا معسرين.
  2. ​لا يسقط حق الوالدين في النفقة لمجرد قدرتهما على الكسب، إذ جعل القانون مناط الاستحقاق هو الإعسار.
  3. ​يلتزم بالنفقة أقرب الأولاد الموسرين، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، كباراً أو صغاراً إذا كانوا موسرين.
  4. ​إذا تعدد الأولاد الموسرون في درجة واحدة، قسمت النفقة بينهم بحسب أنصبتهم في الميراث.
  5. ​قدم القانون نفقة الأم على نفقة الأب، ثم قدم نفقة الوالدين معاً على نفقة بقية الأقارب، وهو ما يعكس المكانة الخاصة التي منحها المشرع لهما.

​زواج الابن ونفقة زوجة الأب وإعانة الأب

​لم يقتصر قانون الأحوال الشخصية اليمني على تنظيم النفقة بالمعنى التقليدي، وإنما ألزم الأبناء الموسرين ببعض الالتزامات الأسرية التي تحقق استقرار الأسرة ورعاية الوالدين، فنظم ذلك في المواد (160، 162). ويمكن تفصيل ذلك فيما يأتي:

​أولاً: تزويج الابن المعسر

​نصت المادة (160) على أن «على الأب المؤسر أن يزوج ولده المعسر زوجة واحدة عند الحاجة.» ويستفاد من هذا النص أن الأب الموسر يلتزم بتوفير نفقات زواج ابنه المعسر عند حاجته إلى الزواج، ويقتصر هذا الالتزام على زوجة واحدة.

​ثانياً: نفقة زوجة الأب

​نصت المادة (162) على أن «تلزم نفقة زوجة الأب المعسر على ابنه المؤسر، وإذا تعددت زوجات الأب فلا تلزم الابن غير نفقة واحدة منهن.» ويتبين من ذلك أن الابن الموسر يتحمل نفقة زوجة واحدة فقط من زوجات أبيه إذا كان الأب معسراً، ولو كان للأب أكثر من زوجة.

​ثالثاً: إعانة الابن لأبيه المعسر

​أوجبت المادة (162) من قانون الأحوال الشخصية على الابن الموسر إعانة أبيه المعسر، فلم تقتصر على إلزامه بالنفقة، وإنما ألزمته -عند الحاجة- بتوفير من يعين الأب على شؤون حياته، فنصت على أنه: «ويجب على الابن المؤسر أن يسعف أباه المعسر بزوجة خاصة، وإذا كان الأب مزمناً أو مريضاً يحوجه ذلك إلى زوجة تقوم بشأنه أو خادم يخدمه أو كليهما، وجبت نفقة الزوجة أو الخادم على ولده المؤسر.»

​ويُقصد بعبارة «يسعف أباه المعسر بزوجة خاصة» أن يلتزم الابن الموسر بتوفير أسباب زواج أبيه المعسر، وذلك بتحمل ما يلزم من نفقات زواجه بزوجة يتزوجها الأب لنفسه إذا اقتضت حالته وظروفه الزواج ولم يكن قادراً على تحمل نفقاته. ويشترط في ذلك أن يكون الأب مزمناً أو مريضاً وتستلزم حالته وجود زوجة تقوم على رعايته أو خادم يخدمه أو كليهما، فإن نفقة الزوجة أو الخادم تكون واجبة على الابن الموسر، باعتبار ذلك من مقتضيات النفقة الواجبة على الوالد المعسر.

​ويتضح من هذا الحكم أن المشرع اليمني لم يقصر واجب الابن الموسر على الإنفاق المالي المجرد، وإنما وسع نطاقه ليشمل توفير ما يكفل للأب المعسر الرعاية والعيش الكريم، سواء بتحمل نفقات زواجه عند حاجته إليه أو بتحمل نفقات من يتولى رعايته عند المرض أو العجز، تجسيداً لمبدأ التكافل الأسري وصلة الرحم الذي يقوم عليه قانون الأحوال الشخصية اليمني.

​الدعاوى المتعلقة بالنفقة في قانون الأحوال الشخصية اليمني

​لم يقتصر قانون الأحوال الشخصية اليمني على بيان الأحكام الموضوعية للنفقة، وإنما أتاح لكل من ثبت له حق فيها اللجوء إلى القضاء للمطالبة بها أو إسقاطها أو تعديلها بحسب الأحوال. وتتعدد الدعاوى المتعلقة بالنفقة تبعاً لاختلاف سبب الالتزام بها، سواء كانت ناشئة عن الزوجية أو الطلاق أو القرابة أو الحضانة، ولكل دعوى شروطها وأساسها القانوني.

  • 1. دعوى المطالبة بالنفقة الزوجية: وهي الدعوى التي تقيمها الزوجة (أو من يقوم مقامها) ضد زوجها، للمطالبة بإلزامه بدفع النفقة المستحقة لها، سواء كانت نفقة حاضرة (شهرية) أو ماضية (متأخرة)، استناداً إلى التزام الزوج بالإنفاق على زوجته بمقتضى عقد الزواج الصحيح (المواد 149، 150، 153، 156). ويشترط لقبولها: وجود عقد زواج صحيح، تمكين الزوجة أو وجود عذر شرعي يمنع التمكين، عدم تحقق سبب من أسباب سقوط النفقة (المادة 152)، ووجود مصلحة قائمة.
  • 2. دعوى المطالبة بنفقة المطلقة: وهي الدعوى التي تقيمها المرأة المطلقة ضد مطلقها للمطالبة بالنفقة المستحقة لها أثناء العدة، إذا كانت مطلقة طلاقاً رجعياً، أو كانت حاملاً ولو كان الطلاق بائناً (المواد 86، 87، 151). ويشترط لقبولها: ثبوت الطلاق، أن يكون الطلاق رجعياً أو أن تكون المطلقة حاملاً، وألا تكون العدة قد انتهت.
  • 3. دعوى إسقاط النفقة أو تخفيضها: وهي الدعوى التي يقيمها الملزم بالنفقة، غالباً الزوج، بطلب إسقاط النفقة أو تخفيضها إذا تحقق سبب قانوني لذلك (المواد 152، 166). ومن أسباب إسقاطها: امتناع الزوجة عن الانتقال لبيت الزوجية أو تركها له دون عذر شرعي، عملها خارج المنزل دون موافقة الزوج (مع مراعاة المادة 40)، امتناعها عن السفر معه بلا عذر، وفاتها، أو انقضاء عدة المطلقة. ومن أسباب تخفيضها: تغير حال الزوج من اليسار إلى الإعسار أو انخفاض قدرته المالية وتغير الظروف الاقتصادية.
  • 4. دعوى المطالبة بنفقة الأقارب: وهي الدعوى التي يقيمها القريب المعسر العاجز عن الكسب ضد قريبه الموسر للمطالبة بإلزامه بالإنفاق (المواد 157 إلى 165). ويشترط لها: إعسار المنفق عليه، عجزه عن الكسب، ويسار المنفق.
  • 5. دعوى المطالبة بنفقة المحضون: وهي الدعوى التي يقيمها الحاضن أو من يقوم مقامه ضد من تلزمه نفقة المحضون، غالباً الأب، للمطالبة بإلزامه بالإنفاق على الطفل (المواد 145، 146، 158). ويشترط لها: وجود طفل محضون، ألا يكون له مال ينفق منه، وقيام الالتزام بالنفقة على الأب أو غيره وفق القانون.
  • 6. دعوى تعديل النفقة (إنقاص أو زيادة): وهي الدعوى التي يرفعها أحد طرفي الالتزام بالنفقة لزيادة مقدارها أو إنقاصه بسبب تغير الظروف التي بني عليها الحكم السابق (المواد 150، 166)، كالتغير في حالة الزوج المالية أو احتياجات المستحق أو ارتفاع وتكلفة المعيشة.
  • 7. طلب الحكم بنفقة مؤقتة أثناء نظر دعوى النفقة: يجوز للزوجة أن تطلب من المحكمة تقرير نفقة مؤقتة أثناء نظر دعوى النفقة إذا كان الزوج ممتنعاً عن الإنفاق أو غائباً ولا ينفق عليها، وذلك إلى حين الفصل في الدعوى استناداً للمادتين (154، 155).

​خاتمة

​يتبين من مجموع نصوص قانون الأحوال الشخصية اليمني أن المشرع أولى أحكام النفقة عناية كبيرة، فنظم أسباب وجوبها، وحدد عناصرها، ووضع معايير تقديرها، وبين حالات سقوطها، وأحكام المطالبة بها، وامتدادها إلى المطلقة والأولاد والأقارب والوالدين، بما يحقق التوازن بين حقوق أفراد الأسرة والتزاماتهم، ويعزز مبدأ التكافل الأسري الذي قامت عليه أحكام الشريعة الإسلامية. كما حرص المشرع على توفير وسائل قانونية تكفل حماية المستحق للنفقة، سواء بإلزام الممتنع بأدائها، أو بتمكين الزوجة من طلب الفسخ عند تعذر استمرار الحياة الزوجية بسبب الامتناع عن الإنفاق، الأمر الذي يؤكد أن النفقة ليست مجرد التزام مالي، وإنما إحدى الدعائم الأساسية لاستقرار الأسرة وصيانة كيانها.

ملاحظة ختامية:

والجذير بالذكر أن هذا المنشور يمثل اجتهاداً شخصياً في شرح أحكام النفقة في قانون الأحوال الشخصية اليمني، وقد اعتمدت فيه على نصوص القانون اليمني، مع الاستئناس ببعض الشروحات الفقهية والقانونية المقارنة لتوضيح المسائل التي لم يفصلها المشرع بنص صريح، مع الحرص على عدم مخالفة أحكام القانون اليمني. ولذلك فإن هذا الجهد قد يشوبه نقص أو سهو أو خطأ في الفهم أو التكييف، وأرحب بكل ملاحظة أو تصويب أو إضافة موثقة تسهم في إثراء هذا العمل وتصحيح ما قد يرد فيه من هفوات غير مقصودة. كما أن هذا المنشور هو ثمرة جهد شخصي في البحث والتحليل والصياغة، لذا نرجو عند نسخه أو تداوله الإبقاء على اسم الكاتب، احتراماً للحقوق الأدبية والأمانة العلمية.


​أسأل الله التوفيق والسداد لي ولكم.

أخوكم/ الكاتب القانوني عادل الكردسي

2026/07/25م

عادل الكردسي
بواسطة : عادل الكردسي
عادل علي عبده الكردسي مستشار قانوني وكاتب، حاصل على درجة الليسانس في الشريعة والقانون من جامعة صنعاء. أكرس هذا الفضاء الرقمي لتقديم رؤى قانونية معمقة وتحليلات تشريعية تهدف إلى رفع الوعي القانوني وتطوير الثقافة الحقوقية. من خلال خبرتي ككاتب ومستشار، أعمل على تبسيط النصوص القانونية وصياغة المذكرات والدراسات التي تخدم الباحثين ورجال القانون والمجتمع.مدونه تعنى بنشر احكام في القانون اليمني استشارات قانونية مجانية في جميع أحكام القانون اليمني
تعليقات