الجمعة، 14 أغسطس 2026

مقال تفصيلي لموضوع شرح أدلة الاثبات الشرعي اليمني


مقال تفصيلي لموضوع شرح أدلة الاثبات الشرعي اليمني


​🏛️ تمهيد تأصيلي: عبء الإثبات ونطاقه عند الدكتور الشامي

​ينطلق الدكتور الشامي في شرحه من المبدأ التشريعي الدستوري المستمد من الحديث النبوي الشريف: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر". ويوضح أن "الادعاء" في مفهوم قانون الإثبات اليمني هو قيد إجرائي يقع على عاتق من يطلب حكماً يغير المراكز القانونية المستقرة (فالأصل براءة الذمة، ومن يدعي انشغالها عليه الدليل).

​📊 المحور الأول: الإقرار (سيد الأدلة وقاصم الخصومة)


​يعتبر الدكتور الشامي الإقرار أقوى وسائل الإثبات وأعلاها رتبة؛ لأنه إعفاء كامل للخصم من تقديم أي بينة أخرى، وقطع للنزاع في مهده.

​1. الطبيعة القانونية والشرعية للإقرار


​الإقرار هو شهادة المرء على نفسه، وهو حجة قاصرة على المقر لا تتعداه إلى غيره. وفي القانون اليمني، بمجرد صدور الإقرار مستوفياً شروطه، يُرفع النزاع عن كاهل القاضي ويصبح ملزماً بإصدار الحكم بناءً عليه.

​2. شروط صحة الإقرار


​يقسمها الدكتور الشامي إلى ثلاثة مستويات:
​شروط المقر: يجب أن يكون عاقلاً، بالغاً، مختاراً (غير مكره). فالإقرار الصادر تحت وطأة التهديد، أو السكر، أو التدليس يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً.
​شروط المقر له: أن يكون معلوماً، وأن يكون أهلاً لتملك الحق المقر به.
​شروط المقر به (الحق): أن يكون مما يجوز التعامل فيه شرعاً وقانوناً، وألا يكذبه ظاهر الحال أو العقل.
​3. تقسيمات الإقرار وأحكامه
​الإقرار القضائي: هو الذي يتم أمام المحكمة أثناء نظر الدعوى المتعلقة بالحق المقر به. هذا النوع لا يجوز الرجوع عنه في الحقوق الآدمية (المالية والمعاملات)، وهو حجة قاطعة.
​الإقرار غير القضائي: هو الذي يتم خارج مجلس القضاء (كخطاب ودي، أو اعتراف أمام شهود في مجلس عرفي). هذا النوع يخضع للسلطة التقديرية للقاضي، ويجوز للخصم إثبات عكسه بكافة طرق الإثبات.
​الإقرار الموصوف والمركب: يشدد الدكتور الشامي على قاعدة "عدم تجزئة الإقرار". فإذا قال الخصم: "نعم استلمت منه مليون ريال (إقرار) ولكني أعدته له في اليوم التالي (وصف/تعديل)"، فلا يجوز للمدعي أن يأخذ الشق الأول ويترك الثاني، بل يؤخذ الإقرار ككتلة واحدة أو يطالب المدعي ببينة على نفي الوفاء.

​👥 المحور الثاني: شهادة الشهود (البينة العادلة)


​الشهادة هي إخبار صادق في مجلس القضاء بحق للغير على غيره. وهي الوسيلة الأكثر حيوية وتداولاً أمام المحاكم اليمنية.

​1. شروط العدالة والتزكية (الخصوصية اليمنية)


​يوضح الدكتور الشامي أن قانون الإثبات اليمني تميز بصياغة شروط صارمة للشاهد مستمدة من الفقه الإسلامي:
​الإسلام والبلوغ والعقل واليقظة.
​العدالة: ألا يكون الشاهد معروفاً بارتكاب الكبائر أو مصراً على الصغائر، وألا يكون سيئ السمعة في بيئته.
​التزكية: إذا طعن الخصم في عدالة الشاهد، تلتزم المحكمة بإجراء "التزكية" (سواء علنية أو سرية) عبر سؤال أهل الخبرة والثقة عن سلوك الشاهد لضمان سلامة قناعة القاضي.
​2. نصاب الشهادة عدداً وصفة

​يفصل الكتاب نصاب الشهادة بحسب نوع الحق المتنازع عليه:
​في الحدود والقصاص: تشترط شهادة رجلين عدلين (وفي حد الزنا أربعة رجال).
​في الحقوق المالية والمعاملات: شهادة رجلين عدلين، أو رجل وامرأتين.
​فيما لا يطلع عليه إلا النساء عادةً: (كالولادة وعيوب النساء المستترة) تقبل شهادة النساء منفردات بحسب ما يراه القاضي كافياً للاقتناع.

​3. موانع الشهادة (مطاعن الخصوم)


​يضع الدكتور الشامي دليلاً للمحامين لرد الشهود، حيث تمنع الشهادة في الحالات التالية:
​جر المصلحة أو دفع المغرم: أن يكون للشاهد مصلحة مالية أو أدبية مباشرة في كسب الدعوى.
​قرابة الدم اللصيقة: شهادة الأصول للفروع (الآباء للأبناء) أو الفروع للأصول (الأبناء للآباء)، وشهادة أحد الزوجين للآخر، لوجود تهمة المحاباة.
​العداوة الظاهرة: إذا ثبت وجود خصومة قضائية أو عداوة شديدة مستحكمة بين الشاهد والمشهود عليه.
​📜 المحور الثالث: الأدلة الكتابية (المحررات الرسمية والعرفية)

​في العصر الحديث لعام 2026، أصبحت الكتابة عصب المعاملات المستقرة، ويفرد لها الدكتور الشامي مساحة واسعة لبيان الفوارق الجوهرية بين أنواع المحررات.
​1. المحررات الرسمية (الأوراق الأميرية والموثقة)
​تعريفها: هي الأوراق التي يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة (كالأمناء الشرعيين المعتمدين، أو الموثقين في وزارة العدل) ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن، وذلك في حدود اختصاصه ووفقاً للأوضاع القانونية.
​حجيتها: تحوز حجية مطلقة وعامة في مواجهة الكافة بما دُوّن فيها من بيانات قام بها الموثق في حدود مهمته.
​طريقة الطعن فيها: لا يمكن إسقاط المحرر الرسمي أو التشكيك فيه إلا عن طريق "الادعاء بالتزوير" (وهو مسار جنائي ومدني معقد يتطلب إثبات الكشط أو التغيير أو التوقيع المزور).
​2. المحررات العرفية (العهود والاتفاقيات الخاصة)
​تعريفها: هي الأوراق التي يصيغها الأفراد فيما بينهم (كعقود الإيجار، سندات الدين العادية) وتستمد حجيتها من وجود توقيع أو بصمة أو ختم الشخص المنسوبة إليه.
​حجيتها: حجة على موقعها فقط.
​طريقة الطعن فيها: يكفي الخصم لكي يفقدها حجيتها أن يقوم بـ "إنكار التوقيع أو البصمة" صراحة في أول جلسة. هنا ينقلب عبء الإثبات على المتمسك بالورقة، ويتعين إحالتها إلى المختبر الجنائي لإجراء عملية "المضاهاة والاستكتاب".
​3. الأوراق المنزلية والرسائل والقرائن الإلكترونية

​يشرح الدكتور الشامي التطور التشريعي الذي اعتد بالدفاتر التجارية كحجة على التجار، والرسائل المكتوبة بخط اليد. كما يربطها بالمنظومة الحديثة لعام 2026 التي تمنح الرسائل والمراسلات الإلكترونية (الإيميلات، محادثات الواتساب الموثقة رقمياً) حجية المحررات العرفية متى سلمت من التلاعب الفني وجرى التحقق من صدورها من الحساب الرقمي للخصم.

​🕋 المحور الرابع: اليمين القضائية (براءة الذمة وملاذ العاجز)


​اليمين هي استشهاد الله تعالى على صدق القول، وهي وسيلة إثبات احتياطية لا يلجأ إليها الخصم إلا عند عجز طرقه الأخرى عن إقناع المحكمة.
​1. اليمين الحاسمة (ملك الخصم)
​مفهومها: هي اليمين التي يوجهها أحد المتداعيين لخصمه لحسم النزاع في شق معين أو في الدعوى برمتها عندما يعجز عن تقديم البينة.
​شروطها: يجب أن تنصب على واقعة شخصية متعلقة بالخصم الموجهة إليه، وألا تكون مخالفة للنظام العام.
​مصير اليمين الحاسمة:
​الحلف: إذا حلف الخصم الموجهة إليه اليمين، يكسب الدعوى فوراً ويصدر الحكم لصالحه، ولا يجوز للخصم الآخر بعد الحلف تقديم أي بينة لتكذيبه (حجية مطلقة).
​النكول: إذا رفض الخصم الحلف (نكل)، يخسر الدعوى ويثبت الحق للمدعي.
​الرد: يجوز لمن وُجهت إليه اليمين الحاسمة أن يردها على خصمه قائلاً: "بل احلف أنت واستحق الحق". هنا ينتقل عبء الحلف للمدعي، فإن حلف كسب وإن نكل خسر.
​2. اليمين المتممة (ملك القاضي)
​مفهومها: هي اليمين التي يوجهها القاضي من تلقاء نفسه لأي من الخصوم لاستكمال قناعته عندما يجد في الملف أشباه أدلة أو بينة ناقصة (غير كافية للحكم وغير مهملة تماماً).
​أحكامها: لا يجوز للخصم رد هذه اليمين على الخصم الآخر؛ لأنها مستمدة من سلطة القاضي التقديرية وليست ملكاً للأطراف.
​🔍 المحور الخامس: المعاينة، الخبرة، والقرائن القضائية

​تمثل هذه الوسائل الجانب العلمي والتطبيقي الذي يربط المحكمة بالواقع المادي للنزاع.

​1. المعاينة (الاطلاع المباشر)


​انتقال هيئة المحكمة (القاضي والكاتب) إلى مكان النزاع (عقار، أرض متنازع عليها، موقع حادث) لمعاينة الوقائع على الطبيعة. يرى الدكتور الشامي أن المعاينة تولد لدى القاضي عقيدة يقينية تفوق الأوراق، ويتم تدوينها في محضر رسمي يوقع عليه الجميع ويصبح جزءاً لا يتجزأ من أدلة الدعوى.
​2. الخبرة القضائية (أهل الذكر)
​الاستعانة بالخبراء: عندما يتضمن النزاع مسائل فنية بحتة لا يحيط بها القاضي علماً (كالمسائل الطبية الشرعية، هندسة المساحة للأراضي، تدقيق الحسابات المالية المعقدة، فحص الخطوط).
​الحجية القانونية: يؤكد الدكتور الشامي على مبدأ فقهي راسخ: "رأي الخبير لا يقيد المحكمة". فالقاضي هو الخبير الأعلى في الدعوى، وله أن يأخذ بتقرير الخبير كلياً، أو يطرحه، أو يندب لجنة خبراء أخرى (لجنة ثلاثية) إذا وجد التقرير قاصراً أو مشوباً بالغموض، شريطة أن يعلل قضاءه تعليلاً سائغاً.

​3. القرائن القانونية والقضائية

​القرائن القانونية: هي التي ينص عليها القانون صراحة ويعفي من تقررت لصالحها من الإثبات (مثل: قرابة الأبوة للفراش، أو اعتبار الحيازة في المنقول سنداً للملكية).
​القرائن القضائية: هي استنباط القاضي لأمر غير معلوم من أمر معلوم لديه في القضية بناءً على العقل والمنطق والمجرى العادي للأمور (مثل: وجود آثار كسر في الأقفال كقرينة على وقوع السرقة بالإكراه). هذه القرائن تخضع لذكاء القاضي وفطنته، ويجوز هدمها بإثبات العكس.
​💡 الخلاصة القضائية لمنهجية الدكتور الشامي

​يختتم الدكتور الشامي فصول كتابه بالتأكيد على أن قانون الإثبات اليمني لعام 2026 يحمي الضمير القضائي من الهوى؛ فترتيب الأدلة يبدأ من اليقين (الإقرار)، مروراً بـ الظن الغالب البنيوي (الشهادة والمحررات الرسمية)، وصولاً إلى الوسائل الاحتياطية الاستدراكية (اليمين والقرائن).



المدونة الرئيسية

التسميات:

بطلان الإجراءات الجزائية: متى ينهار بنيان القضية؟

الرئيسية » 

بطلان الإجراءات الجزائية: متى ينهار بنيان القضية؟


يعتبر بطلان الإجراءات الجزائية من أهم الدفوع التي...

متى ينهار بنيان القضية؟

شرح تفصيلي هنا...

بطلان الإجراءات الجزائية: متى ينهار بنيان القضية؟

تعرف على حالات البطلان المطلق والنسبي في قانون الإجراءات الجزائية, اليمني وأثرها على سير الدعوى الجنائية,بطلان , الإجراءات, الجزائية, اليمني




🖋️ إعداد الكاتب القانوني: المستشار عادل الكردسي | مارس 2026م


📑 محاور الدراسة:
• القاعدة العامة للبطلان (المادة 406)
• البطلان المطلق (النظام العام)
• البطلان النسبي وحالات التمسك به
• الآثار المترتبة على تقرير البطلان

أولاً: القاعدة العامة للبطلان


بموجب المادة (406) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني، يكون الإجراء باطلاً إذا نص القانون صراحة على بطلانه، أو إذا شابه عيب جوهري ترتب عليه ضرر للخصوم. البطلان هو الجزاء القانوني على عدم مراعاة أحكام القانون في الإجراءات التي تُتخذ منذ لحظة الاستدلال وحتى صدور الحكم.
ثانياً: البطلان المطلق (المتعلق بالنظام العام) في القانون اليمني

هو البطلان الذي يلحق بالإجراءات الجوهرية التي تهدف لحماية المصلحة العامة أو حسن سير العدالة. ومميزاته:
يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها.
يجوز التمسك به في أي حالة كانت عليها الدعوى (ولو لأول مرة أمام المحكمة العليا).
لا يسقط بالسكوت عنه أو بقبول الخصم للإجراء.
أمثلة: بطلان تشكيل المحكمة، بطلان الإجراءات التي تمس حق الدفاع الجوهري.

ثالثاً: البطلان النسبي في القانون اليمني


هو الذي يقرره المشرع لحماية مصلحة خاصة لأحد الخصوم (المادة 408). وهذا النوع من البطلان:
لا تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها بل يجب التمسك به.
يسقط الحق فيه إذا لم يتم التمسك به في الوقت المناسب (قبل الدخول في الموضوع).
أمثلة: بطلان بعض محاضر جمع الاستدلالات أو الإعلانات التي لا تمس جوهر النزاع.

رابعاً: أثر البطلان على الإجراءات اللاحقة في القانون اليمني


وفقاً للقاعدة الذهبية "ما بُني على باطل فهو باطل"، فإن بطلان الإجراء يستتبع بطلان جميع الآثار التي تترتب عليه مباشرة (المادة 409). فإذا بطل التفتيش، بطل ضبط الأشياء المترتبة عليه، وبطلت شهادة من قام به حول ما ضبطه.
💡 نصيحة المستشار عادل الكردسي: على المحامي الفطن أن يفرز دفوعه جيداً؛ فالدفوع المتعلقة بالبطلان المطلق هي خنجر المحامي الذي يمكنه استخدامه في أي مرحلة، أما البطلان النسبي فيجب قنصه في أول جلسة قبل الحديث في موضوع الدعوى.


المستشار القانوني عادل الكردسي

متخصص في القانون الجنائي والإجراءات الجزائية - اليمن

للاستشارات: 📲 777543350 | 770479679

⚖️
الكاتب القانوني عادل الكردسي


كاتب ومستشار قانوني يمني
إعلان

التسميات:

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

دليل دعوى منع التعرض في القانون اليمني

​دليل دعوى منع التعرض في القانون اليمني


دعوى منع التعرض المادي : دراسة تأصيلية وتطبيقاتها في القضاء المستعجل

​بسم الله الرحمن الرحيم.
 يُعد تنظيم الحماية القانونية للحيازة من الركائز الأساسية لاستقرار المعاملات وحفظ الحقوق في المجتمع؛ لذا فقد أفرد المشرع اليمني في منظومته الإجرائية والموضوعية قواعد صارمة لحماية الحائز الشرعي من أي اعتداء. 


وفي هذا الدليل القانوني الشامل المتوافق مع معايير الجودة والقيمة القانونية، نقدم شرحاً تفصيلياً لـ دعوى منع التعرض في القانون اليمني، مستندين إلى نصوص قانون المرافعات والتنفيذ المدني وقانون الأموال المدنية، ومدعومين بأحدث المبادئ القضائية الصادرة عن المحكمة العليا.
 

​ أولاً: التمهيد التأصيلي (الروابط بين القضاء المستعجل والوقف التعليقي)


​لأجل الفهم الدقيق لطبيعة دعوى منع التعرض، يجب أولاً تأصيل طبيعة القضاء المستعجل والعمل الولائي وعلاقته بمسألة الوقف القضائي التعليقي.

​ماهية القضاء المستعجل في القانون اليمني


​عرفت المادة (238) من قانون المرافعات اليمني 
"القضاء المستعجل بأنه:"


​"حكم مؤقت بتدبير وقتي أو تحفظي يصدر في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت دون التعرض لأصل الحق."



​يتضح من هذا النص التشريعي المحكم أن القضاء المستعجل يبحث دائماً في ثبوت ظواهر الحق والحالة الواقعية (الثبوت الفعلي) دون التوغل في موضوع الملكية أو أصل الحق؛ فالحكم المستعجل حكم مؤقت يزول حتماً بزوال أسبابه أو بصدور حكم جديد يفصل في الموضوع.
مطابقة القضاء المستعجل لحالة الوقف التعليقي

​تتقاطع فلسفة القضاء المستعجل مع نظام الوقف التعليقي الخصومي الوارد في المادة (205) مرافعات يمني، والتي تنص على:


​"في غير الأحوال التي ينص فيها القانون على وقف الخصومة وجوباً أو جوازاً، يجب على المحكمة أن تأمر بوقفها كلما رأت تعليق حكمها في موضوعها على الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم في الخصومة."



​خلاصة القواعد الإجرائية للوقف التعليقي:


إذا طُرح على محكمة استئنافية نزاع معين في مسألة لا تدخل ابتداءً في اختصاصها الوظيفي أو النوعي، ورأت المحكمة أن حسم هذه المسألة ضروري وحتمي للفصل في النزاع الأصلي القائم أمامها، يتعين عليها هنا وقف الفصل في الدعوى المنظورة لحين الفصل في المسألة الأولية من قِبل المحكمة المختصة.
​ أمثلة عملية وقضائية على الوقف التعليقي
​المثال الأول (نزاع الملكية في دعاوى القسمة): إذا كانت محكمة الاستئناف تنظر دعوى قسمة مال شائع، ثم أثيرت أمامها منازعة جدية حول ملكية هذا المال، تحكم بوقف الفصل في دعوى القسمة وتعليقها، وتحيل الخصوم للمحكمة الابتدائية المختصة لاستصدار حكم في مسألة الملكية باعتبارها مسألة أولية جوهرية.


​المثال الثاني (المنازعات الإدارية أمام المحاكم المدنية): إذا أثير نزاع حول مشروعية قرار إداري معين أمام محكمة مدنية تنظر دعوى تعويض أو عقد، يتعين على المحكمة وقف الفصل في الدعوى المدنية وإحالة الخصوم للقضاء الإداري للفصل في مشروعية القرار.


شروط الوقف القضائي التعليقي


​تتلخص شروط الوقف التعليقي في ثلاث نقاط رئيسية: ​أن تُثار مسألة أولية أمام المحكمة يتوقف عليها الفصل في الدعوى المطروحة بشكل مباشر وضروي.



​أن تكون هذه المسألة الأولية خارجة عن الاختصاص النوعي أو الوظيفي للمحكمة المنظور أمامها النزاع، وتدخل في اختصاص هيئة أو محكمة أخرى.


​أن تكون المنازعة المثارة حول المسألة الأولية منازعة جدية، وتقدير مدى جدية هذه المنازعة يخضع للسلطة التقديرية المطلقة لمحكمة الموضوع.



​(تطبيق قضائي: طبقاً للطعن رقم 52027 ك، لسنة 1434 هـ - مدني، القاعدة رقم 3، العدد 20، ص 10: الدعوى المستعجلة تبحث الثبوت لا الملك، والحكم المستعجل مؤقت يزول بزوال أسبابه).

​ثانياً: "تصنيف دعوى منع التعرض ضمن المسائل المستعجلة'


​حددت المادة (240) من قانون المرافعات اليمني المسائل التي تتوفر فيها صفة الاستعجال ويخشى عليها من فوات الوقت حصراً، وجاءت كالتالي:

"حالات  القضاء  المستعجل  في  القانون  اليمني" 

  1. ​"طلب سماع شاهد (مع عدم المساس بحق المدعي في" "استصدار أمر بمنعه من السفر إذا اقتضى الأمر)."
  2. ​"طلب استرداد الحيازة."​"طلب إثبات الحالة."
  3. "طلبات بيع الأموال القابلة للتلف أو الإذن به."
  4. "طلب فرض الحراسة القضائية."​"طلب الأمر بنفقة مؤقتة."
  5. "طلب منع التعرض المادي وإزالة العدوان."
ومن هذا النص يتبين أن القضاء المستعجل يلتقي مع حكم الوقف التعليقي في كون كلاهما لا يبحثان في أصل موضوع الحق، بل يقتصران على التدابير الوقتية الظاهرة. وبناءً عليه، ينقسم هذا البحث العملي إلى أربعة مطالب أساسية متكاملة.

  1. ثالثاً: المطلب الأول: الشرح التفصيلي لدعوى منع التعرض وشروطها

  1. ​ "تعريف  دعوى ومنع  التعرض  المادي  في  القانون  اليمني"


    ​يُقصد بـ دعوى منع التعرض قانوناً: الدعوى المستعجلة التي يرفعها حائز العقار، بهدف دفع إجراء مادي أو قانوني موجه إليه من الغير، متى كان هذا الإجراء يتعارض مع حقه الثابت في الحيازة ويهدد استقراره.

    ​ شروط قبول وأقامة دعوى منع التعرض في القانون اليمني


    ​لكي تُقبل دعوى منع التعرض وتنتج آثارها القانونية، أوجب المشرع توافر الشروط التالية:
    ​الشرط الأول: الحيازة القانونية للمدعي (الثبوت)
    ​يجب أن يكون المدعي حائزاً للعقار حيازة قانونية مستوفية لأركانها. والحيازة القانونية هي سلطة فعلية يستعملها الشخص على شيء باعتباره مالكاً له أو صاحب حق عيني عليه.
    وقد أكدت المادة (1103) من القانون المدني اليمني هذا المفهوم بنصها:

    ​"الثبوت (الحيازة) هو استيلاء الشخص على الشيء ووضع يده عليه منقولاً كان أو عقاراً وهو نوعان... النوع الأول: حيازة ملك ثبوت يتصرف بها الحائز في الشيء الذي يحوزه بأي نوع من أنواع التصرفات ظاهراً عليه بمظهر المالك وإن لم يبين سبب ملكيته له فتكون يده مهما استمرت حيازة ملك ثبوت على الشيء."



    ​أركان  الحيازة المقررة قانوناً: ​

الركن المادي: يتكون من مجموعة الأعمال والمظاهر المادية الفعلية التي يباشرها الحائز على العقار وتصدر عادة عن المالك (مثل زراعة الأرض الزراعية، إسكان أو إيجار العمارة والمنزل، جني الثمار، قلع الأشجار). ويجب أن تكون هذه الأعمال كافية للدلالة على حيازة الشيء، إعمالاً لـ المادة (1154) مدني: "لمالك الشيء وحده في حدود القانون الشرعي حق الانتفاع به واستعماله واستغلاله والتصرف فيه."



​الركن المعنوي: القصد والأصالة، بأن يتوفر لدى الحائز نية وقصد الاستئثار بالعقار لحساب نفسه وأنه مالك له دون غيره، ويُستدل على هذا القصد بقرائن الحال وتصرفه فيه تصرف الملاك.



​الشرط الثاني: خلو الحيازة من العيوب القانونية
​يجب أن تكون حيازة الحائز هادئة، ظاهرة، وواضحة لا لبس فيها. وتكون معيبة إذا شابها أحد العيوب التالية:
​عيب الخفاء المستتر: يجب مجاهرة الحائز للشيء بملكيته له إذا ما نازعه فيه منازع وأن يتمسك بذلك أمام القضاء (طبقاً للمادة 1104/2 مدني). فالأعمال الخفية لا تنشئ قرينة الملكية. إذا حصلت الحيازة خفية فلا يحتج بها في مواجهة من أُخفيت عنه إلا من وقت زوال عيب الخفاء.

​عيب الإكراه والعنف: يجب ألا تقترن الحيازة بإكراه المالك أو من يمثله أو منازعته (طبقاً للمادة 1104/3 مدني). فالهدوء شرط، والعنف المادي أو الإكراه الأدبي يدمغ الحائز بصفة "المغتصب" لا المالك.
​عيب اللبس والغموض: يشترط عدم الخفاء بألا تشوب الحيازة شبهة لبس، كأن يكون الحائز خليطاً للمالك، أو ممثلاً شرعياً له بالولاية، أو الوصاية، أو الوكالة، أو مخولاً حيازة انتفاع فقط (طبقاً للمادة 1104/4 مدني). ​مثال عملي على اللبس: وفاة شخص وترك عقار في حيازة أحد الورثة مع استمراره بوضع اليد؛ هنا الحيازة غامضة لا يُعرف هل يحوز لحساب التركة أم لحساب نفسه مالكاً. وكذلك الحيازة المشتركة في الملك الشائع، فوضع يد أحد الشركاء على جزء لا يفيد حتماً حيازته لحساب نفسه منفرداً.

.

​"الشرط الثالث: محل الحيازة عقار قابل للتملك"

​يجب أن تقع الحيازة على عقار أو حق عيني عقاري يجوز تملكه بمضي المدة. وبناءً عليه: ​لا تقبل دعاوى الحيازة في المنقولات؛ لأن الحيازة في المنقول سند الملكية بحسن نية، ويُسترد بدعوى الملكية. (إلا إذا صار المنقول عقاراً بالتخصيص فتجري عليه أحكام العقار).

​لا تقبل دعاوى الحيازة على الأموال العامة للدولة أو العقارات المخصصة للمنفعة العامة؛ لأنها أموال لا يجوز تملكها بالتقادم.



"​الشرط الرابع: وقوع تعرض فعلي من المدعى عليه"


​التعرض هو الإجراء الذي يعطل انتفاع الحائز، وينقسم إلى: ​تعرض مادي: مثل نزع الحيازة بالقوة، البناء في الأرض، زراعتها، حفر مسقى، غرس أشجار، رعي الأغنام، فتح نافذة غير قانونية في جدار تطل على الجار، أو ردم وهدم مسقى وممر مائي يتضمن إنكار حق الارتفاق.

​تعرض قانوني: مثل إرسال إنذار رسمي للحائز يطالبه بعدم البناء، أو توجيه إنذار للمستأجرين بعدم دفع الأجرة للحائز ودفعها للمنذر، أو إقامة دعوى طرد ضد المستأجر باعتباره غاصباً. (تنبيه: رفع دعوى الملكية المجردة لا يعد تعرضاً للحيازة، بل يتضمن تسليماً بوجود الحيازة تحت يد المدعى عليه وتوجهاً لحسم أصل الحق).



​الشرط الخامس: الميعاد القانوني (سنة من وقوع التعرض)


​يجب وجوباً أن تُرفع دعوى منع التعرض خلال سنة واحدة من تاريخ وقوع فعل التعرض أو العلم به، وإلا سقط حق الحائز في الحماية الوقتية المستعجلة، ولم يبق له سوى اللجوء لدعوى الملكية الموضوعية المطالبة بأصل الحق.

(مقاربة مع المادة 368 مرافعات: لا تسمع الدعوى بوقف نفاذ التصرف بانقضاء سنة من يوم علم الدائن بالحق).
رابعاً: بقية المطالب الإجرائية (إزالة العدوان، استرداد الحيازة، الاستحقاق)

'​المطلب الثاني: طلب إزالة العدوان'


​تُعرف دعوى إزالة العدوان بأنها رخصة قانونية وحق مكفول لمالك المال أو حائزه الشرعي، إذا وقع له اعتداء مادي فعلي أو خشي وقوع تعرض مخالف للقانون من شأنه تغيير معالم العقار أو إحداث ضرر جسيم به، فيطلب إزالة آثار هذا العدوان فوراً بصفة مستعجلة.

​ "المطلب الثالث: دعوى  استرداد  الحيازة"


​هي الدعوى التي يتقدم بها من سُلبت منه حيازته للعقار كاملاً رغماً عنه وبطريقة غير مشروعة، مطالباً بـإعادة وضع يده وتمكينه من العقار مؤقتاً لحين الفصل في أصل الحق من محكمة الموضوع.

​ "المطلب الرابع: دعوى الاستحقاق (أصل الحق)"


​على نقيض دعاوى الحيازة، فإن دعوى الاستحقاق هي دعوى موضوعية يبحث القضاء فيها مستندات الملكية، حجج البيع والشراء، والوثائق الرسمية الشرعية للفصل في من هو المالك الحقيقي للعقار وحكمها يحوز حجية الأمر المقضي به.
​خامساً: دور محكمة الموضوع والتطبيقات القضائية للمحكمة العليا اليمنية

​تتفاوت ولاية المحكمة بحسب نوع الدعوى المعروضة أمامها (ابتدائية مستعجلة أو موضوعية)؛ ولتوضيح كيفية معالجة القضاء لهذه المنازعات عملياً، نستعرض القواعد القضائية المعتمدة:

مناقشة مصدر الحيازة أمام المحكمة الابتدائية


​إذا طُرحت المنازعة أمام المحكمة الابتدائية كمحكمة موضوع، يتعين عليها تثبيت الحيازة ومناقشة مصدرها وكيفيتها بحكم موضوعي. وتنص المادة (1114) من القانون المدني اليمني على:


​"تسمع دعوى الملك على ذي اليد الثابتة مطلقاً ويحكم للمدعي في دعوى الملك إذا أقر له ذو اليد الثابتة أو بناء على مستندات كتابية خالية من شبهة التزوير مستوفية للشروط الشرعية أو بشهادة عدول، فإذا لم توجد مستندات مستوفية للشروط أو شهادة عدول عمل بالقرائن وتعتبر قرينة اليد الثابتة إذا لم تعارض بقرينة أقوى منها مع يمين ذي اليد دليلاً كافياً."


​ التطبيق العملي من أحكام المحكمة العليا اليمنية​القاعدة الأولى: وجوب بحث مصدر الحيازة عند الإنكار (قاعدة رقم 69، طعن رقم 49806 ك، لسنة 1434 هـ - مدني، العدد 19، ص 174): "يجب على محكمة الموضوع مناقشة مصدر الحيازة وكيفية الثبوت لمدعيها، وإذا لزم الأمر لمزيد من الإيضاح للمحكمة عليها استدعاء كاتب الإجارة والشهود إن كانوا أحياء كلهم أو بعضهم، لاسيما بعد إنكار المدعى عليه الإجارة من مورث المدعي، وعدم قيام المحكمة بذلك يجعل حكمها معيباً متعيناً نقضه."


​القاعدة الثانية: الفصل بين الحماية الوقتية وأصل الحق (قاعدة رقم 71، طعن رقم 48836 ك، لسنة 1434 هـ - مدني، العدد 19، ص 181): ​"دعوى عدم التعرض من الدعاوى المستعجلة التي لا علاقة لها بأصل الحق، بل حكم مؤقت بتدبير وقتي أو تحفظي يصدر في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت دون تعرض لأصل الحق...".​"دعوى إزالة العدوان هي حق لمالك المال أو حائزه الشرعي، إذا وقع له أو خشي أن يقع له تعرض مخالف للقانون."

" ​القاعدة الثالثة: الحكم المستعجل لا يمنع من إقامة دعوى الملكية (قاعدة رقم 74، طعن رقم 49854 لسنة 1433 هـ - مدني، العدد 19، ص 190): ​"إن دعوى منع التعرض هي من الدعاوى المستعجلة التي يصدر فيها حكم مؤقت بتدبير وقتي أو تحفظي دون التعرض لأصل الحق."​"إن الحكم بمنع التعرض لا يمنع من يدعي حقاً في المتنازع عليه أن يتقدم بدعوى مستقلة بذلك أمام المحكمة المختصة."

"سادساً: العلة القانونية في حظر الجمع بين الحيازة وأصل الحق وضمان درجات التقاضي


​لماذا اشترط المشرع اليمني في دعوى منع التعرض عدم المساس بأصل الحق؟

السبب في ذلك أن إثبات الملكية وفحص الوثائق والمستندات يعد من المسائل الجوهرية الأولية التي تقع ضمن الاختصاص الحصري لمحكمة أول درجة (المحكمة الابتدائية) للفصل فيها بموجب قضية موضوعية مستقلة مراعاةً لمبدأ نظام درجات التقاضي وحفظاً للنظام العام.

: نفاذ ولاية  محكمة أول درجة وحظر الإعادة من الاستئناف


​يؤكد القضاء اليمني على حظر تفويت أي درجة من درجات التقاضي على الخصوم، وهو ما يظهر جلياً في القواعد الإجرائية المنظمة لعمل محاكم الاستئناف:

​(تطبيق قضائي: قاعدة رقم 40، طعن رقم 52377 لسنة 1434 هـ - مدني، العدد 20، ص 126):


​موضوع القاعدة: "يتعين على محكمة الاستئناف عند نظرها استئناف الحكم الابتدائي أن تحكم إما بتأييده أو إلغائه أو تعديله، وليس لها إعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة لنظرها من جديد إلا فيما لم يتم الفصل فيه، وإلا كانت قد خالفت القانون بما يجعل حكمها المطعون فيه باطلاً متعيناً نقضه؛ وعلة ذلك أن محكمة أول درجة تكون قد استنفدت ولايتها بالحكم في موضوع الدعوى."



​النتيجة القانونية المستخلصة:

بناءً على ذلك، فإن محكمة الاستئناف غير مخولة مطلقاً بنظر القضية أو التصدي لها في حدود ما لم يتم الفصل فيه أولاً أمام المحكمة الابتدائية (محكمة أول درجة). وحيث إن إثبات الملكية يفصل في أصل الحق، وهو من المسائل الجوهرية، فإن إغفال الفصل فيه أو خلطه بالقضاء المستعجل أمام محكمة أول درجة يترتب عليه بطلان الأحكام القضائية لعدم مراعاة الفصل في الطلبات الجوهرية للخصوم. "دعوى منع التعرض، القانون اليمني، الحيازة القانونية، القضاء المستعجل اليمني، قانون المرافعات اليمني، إزالة العدوان، استرداد الحيازة، قانون رقم 40 لسنة 2002، أحكام المحكمة العليا اليمنية'
قد يهمك أيضاً. احكام  الشفعة  في  القانون  اليمني 

للاطلاع على إحكام الشفعة في مدونتنا راجع الرابط هنا احكام الشفعة وفقا للقانون اليمني

التسميات:

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

الرجعة في قانون الأحوال الشخصية اليمني

 الرجعة  في  قانون  الأحوال  الشخصية  اليمني

بعد أن نظم المشرع اليمني أحكام الطلاق الرجعي، أفرد تنظيماً مستقلاً للرجعة في المواد (75) إلى (78) من قانون الأحوال الشخصية، باعتبارها من أهم الآثار المترتبة على الطلاق الرجعي، إذ تمثل وسيلة شرعية وقانونية لإعادة الحياة الزوجية دون الحاجة إلى عقد أو مهر جديدين، متى تمت خلال العدة ووفقاً للشروط التي حددها القانون. ويقصد بالرجعة: إعادة المطلقة طلاقاً رجعياً إلى عصمة زوجها أثناء العدة، دون إبرام عقد زواج جديد، وبالطريقة التي رسمها القانون. وتقوم الرجعة على أساس أن الطلاق الرجعي لا يزيل رابطة الزوجية نهائياً، وإنما تبقى الزوجية قائمة حكماً طوال مدة العدة، ولهذا منح القانون الزوج حق مراجعة زوجته خلالها.
________

الأساس  القانوني  للرجعة  وشروط صحة الرجعة

استند المشرع اليمني في تنظيم الرجعة إلى المواد (77,76,75,68,67)  من قانون الأحوال الشخصية. فقد نصت المادة (68) على أن «الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، وللزوج أن يراجع زوجته خلال العدة، فإذا انقضت العدة دون مراجعة أصبح الطلاق بائناً بينونة صغرى.» كما نصت المادة (75) على أن «تتم الرجعة بالقول ولو هازلاً أو بالفعل غير مشروطة بوقت أو بغيره، وتصح بغير رضاء الزوجة وأوليائها.» ويستفاد من هذين النصين أن الرجعة ليست عقداً جديداً، وإنما هي استدامة للرابطة الزوجية التي لم تنقطع نهائياً بالطلاق الرجعي.
وأما عن شروط صحة الرجعة. فمن خلال استقراء نصوص القانون، يتبين أن الرجعة لا تكون صحيحة إلا إذا توافرت الشروط الآتية:

شروط  الرجعة  في  قانون  الأحوال  الشخصيةو اليمني

الشرط الأول: أن يكون الطلاق رجعياً
فالرجعة لا تكون إلا في الطلاق الرجعي. أما الطلاق البائن بنوعيه، فلا يقبل الرجعة. كما أن الخلع لا يقبل الرجعة لأنه طلاق بائن بنص المادة (74).
الشرط الثاني: أن تقع الرجعة أثناء العدة
الرجعة مقيدة بمدة العدة. فإذا انتهت عدة الزوجة قبل حصول الرجعة، انقضى حق الزوج فيها، وتحول الطلاق إلى بينونة صغرى، ولا تعود الزوجة إلا بعقد ومهر جديدين.
الشرط الثالث: صدور الرجعة ممن يملكها
وهو الزوج الذي وقع منه الطلاق الرجعي، أو من يقوم مقامه إذا أجاز القانون ذلك.
الشرط الرابع: ألا تكون الزوجة قد بانت بينونة كبرى
فإذا استكمل الزوج ثلاث طلقات، فلا رجعة له عليها، وإنما يشترط لتحل له أن تتزوج زوجاً غيره زواجاً صحيحاً ويدخل بها دخولاً حقيقياً ثم تنتهي العلاقة الزوجية الثانية وفق أحكام القانون.

________

صور  الرجعة في قانون الاحوال الشخصية اليمني

حدد المشرع اليمني وسائل حصول الرجعة في المادة (75)، وجعلها صورتين:
أولاً: الرجعة بالقول ويقصد بها كل لفظ يدل صراحة على إعادة الزوجة إلى عصمة زوجها.
ومن أمثلة ذلك - راجعت زوجتي. - أمسكت زوجتي. - أعدتك إلى عصمتي.وقد نصت المادة (75) على أن الرجعة بالقول تقع ولو كان الزوج هازلاً. ويترتب على ذلك أن الهزل لا يمنع صحة الرجعة إذا صدر اللفظ الصريح الدال عليها.
ثانياً: الرجعة بالفعل أجاز القانون حصول الرجعة بالفعل. والمقصود بذلك الأفعال التي تدل دلالة واضحة على استئناف الحياة الزوجية وفق ما استقر عليه الفقه الإسلامي الذي أخذ به القانون. ويترتب على الرجعة بالفعل جميع الآثار القانونية المترتبة على الرجعة القولية.
هل يشترط رضا الزوجة لصحة الرجعة؟ الجواب نصت المادة (75) عن هذا التساؤل بنص صريح جاء فيه «وتصح بغير رضاء الزوجة وأوليائها.» ويستفاد من هذا النص أن:
1- الرجعة حق خالص للزوج أثناء العدة.
2- لا يتوقف نفاذها على قبول الزوجة.
3- كما لا يشترط موافقة وليها.
وذلك لأن الزوجية ما زالت قائمة حكماً طوال مدة العدة في الطلاق الرجعي.
________

الإشهاد  على  الرجعة  والاختلاف في حصول الرجعة

حرص المشرع على توثيق الرجعة منعاً للمنازعات. فنصت المادة (76) على أن «إذا كانت الرجعة بالقول فيجب على الزوج الإشهاد عليها وإعلام الزوجة بها، فإن كانت مجنونة فإعلام وليها.» ويستفاد من هذا النص:
1- وجوب الإشهاد على الرجعة القولية.
2- وجوب إعلام الزوجة بحصول الرجعة.
3- إذا كانت الزوجة فاقدة للأهلية، وجب إعلام وليها.
ويهدف هذا التنظيم إلى منع النزاع حول حصول الرجعة أو إنكارها مستقبلاً، وحماية الحقوق المترتبة عليها.
وأما عن الاختلاف في حصول الرجعة. فقد يختلف الزوجان بعد انتهاء العدة حول حصول الرجعة. ولهذا نصت المادة (77) على أن «إذا اختلف الرجل والمرأة بعد انقضاء العدة على حصول الرجعة فالقول لمنكرها.» ويستفاد من هذا النص أن:
1- مناط تطبيقه هو وقوع النزاع بعد انتهاء العدة.
2- إذا ادعى أحد الزوجين حصول الرجعة وأنكرها الآخر، فإن القول يكون لمن ينكر الرجعة.
3- ويترتب على ذلك بقاء الأصل، وهو انتهاء الزوجية بانقضاء العدة ما لم تثبت الرجعة.
وهذا الحكم ينسجم مع القاعدة العامة التي تقضي بأن الأصل عدم وقوع التصرف حتى يثبت.
________

الدعاوى  المتعلقة  بالطلاق  في  قانون  الأحوال الشخصية اليمني
يعد الطلاق من أكثر موضوعات الأحوال الشخصية تداولاً أمام المحاكم اليمنية، ولا تقتصر المنازعات القضائية على إثبات وقوع الطلاق أو إنكاره، وإنما تمتد إلى جميع الآثار التي تترتب عليه، كالرجعة، والعدة، والنفقة، والحضانة، والنسب، وغيرها. ولهذا تنظر محاكم الأحوال الشخصية بصورة مستمرة في دعاوى متعددة يكون الطلاق سبباً مباشراً أو غير مباشر لها، وتخضع جميعها لأحكام قانون الأحوال الشخصية وقانون المرافعات والتنفيذ المدني. ومن أبرز الدعاوى التي يكثر نظرها أمام القضاء اليمني:
أولاً: دعوى إثبات الرجعة أثناء العدة
وهي الدعوى التي يرفعها الزوج أو الزوجة إلى المحكمة بطلب إثبات حصول الرجعة أثناء عدة الطلاق الرجعي، إذا وقع خلاف بينهما حول حصولها أو تاريخها أو صحتها، وذلك حتى تترتب آثارها القانونية. وتستند هذه الدعوى إلى نصوص المواد (77,76,75,68,67) من قانون الأحوال الشخصية، التي نظمت أحكام الرجعة وكيفية حصولها وآثارها. ويشترط لهذه الدعوى ما يأتي:
1- وجود طلاق رجعي فلا تقبل الدعوى إذا كان الطلاق بائناً بينونة صغرى أو كبرى أو كان خلعاً؛ لأن الرجعة لا تكون إلا في الطلاق الرجعي. لأن المحكمة قد تقبل الدعوى شكلاً ثم ترفضها موضوعاً.
2- حصول الرجعة أثناء العدة إذ إن حق الزوج في الرجعة ينقضي بانتهاء العدة، فإذا انتهت العدة قبل حصول الرجعة تحولت الفرقة إلى بينونة صغرى، ولا يبقى محل لدعوى إثبات الرجعة.
3- وجود نزاع حول حصول الرجعة فإذا كان الزوجان متفقين على حصولها فلا تكون هناك حاجة إلى رفع الدعوى.
4- إقامة الدليل على حصول الرجعة ويكون ذلك بجميع وسائل الإثبات المقررة قانوناً، كالإقرار أو شهادة الشهود أو المستندات أو غيرها من وسائل الإثبات المقبولة.
5- وجود مصلحة قانونية كأن يترتب على إثبات الرجعة استمرار الزوجية أو ثبوت النفقة أو الإرث أو غير ذلك من الآثار.
ثانياً: دعوى إثبات الطلاق عند إنكار أحد الزوجين وقوعه
وهي الدعوى التي يرفعها أحد الزوجين إلى المحكمة بطلب إثبات وقوع الطلاق، إذا ادعى أحدهما حصوله وأنكر الطرف الآخر ذلك، حتى تفصل المحكمة في قيام الطلاق وترتب آثاره القانونية. وتعد هذه الدعوى من أكثر دعاوى الأحوال الشخصية تداولاً أمام المحاكم اليمنية، ولا سيما عندما يقع الطلاق شفوياً خارج المحكمة. ويشترط لهذه الدعوى ما يأتي:
1- ادعاء وقوع الطلاق فلا تقبل الدعوى ما لم يدع أحد الطرفين أن الطلاق قد وقع فعلاً.
2- إنكار الطرف الآخر إذ لا محل للدعوى إذا كان وقوع الطلاق محل اتفاق بين الزوجين.
3- أن يكون الطلاق مما يجيز القانون إثباته أي أن يكون قد صدر ممن يملك إيقاعه، واستوفى الشروط المقررة قانوناً.
4- تقديم وسائل الإثبات القانونية ويجوز إثبات الطلاق بالإقرار أو البينة أو غيرها من وسائل الإثبات المعتبرة وفقاً للقانون.
5- وجود مصلحة قانونية كترتيب آثار الطلاق المتعلقة بالنفقة أو العدة أو الحضانة أو الإرث أو جواز الزواج.
ثالثاً: دعوى إثبات الطلاق الصادر خارج المحكمة
وهي الدعوى التي يرفعها أحد الزوجين بطلب إثبات الطلاق الذي وقع خارج المحكمة، سواء وقع باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة المفهومة للعاجز عن النطق أو بأي وسيلة يعتد بها القانون، وذلك لإثباته رسمياً وترتيب جميع آثاره القانونية. وتكثر هذه الدعوى في اليمن؛ لأن كثيراً من حالات الطلاق تتم خارج المحكمة ثم يحتاج أحد الزوجين إلى إثباتها أمام القضاء. ويشترط لهذه الدعوى ما يأتي:
1- أن يكون الطلاق قد وقع خارج المحكمة.
2- أن يكون الطلاق صحيحاً وفق أحكام قانون الأحوال الشخصية.
3- وجود نزاع أو حاجة إلى الإثبات القضائي كامتناع أحد الزوجين عن الاعتراف بالطلاق أو الحاجة إلى استخراج حكم قضائي يثبت الواقعة.
4- تقديم الأدلة التي تثبت وقوع الطلاق مثل شهادة الشهود أو الإقرار أو الكتابة أو غيرها من وسائل الإثبات المقبولة.
5- وجود مصلحة قانونية كالمطالبة بالنفقة أو إثبات العدة أو إثبات الحالة الاجتماعية أو ترتيب آثار الإرث أو الزواج.
رابعاً: دعوى  إثبات  تاريخ  وقوع  الطلاق
وهي الدعوى التي يرفعها أحد الزوجين إلى المحكمة بطلب تحديد وإثبات التاريخ الحقيقي الذي وقع فيه الطلاق، متى كان هذا التاريخ محل نزاع، وكان يترتب عليه أثر قانوني يتعلق بحقوق الزوجين أو الغير. وتعد هذه الدعوى من الدعاوى المهمة في القضاء اليمني؛ لأن كثيراً من الحقوق تتوقف على تحديد تاريخ الطلاق بدقة. ويشترط لهذه الدعوى ما يأتي:
1- ثبوت أصل وقوع الطلاق فإذا كان وقوع الطلاق ذاته محل نزاع، وجب الفصل في إثباته أولاً.
2- وجود خلاف حول تاريخ وقوع الطلاق إذ لا محل للدعوى إذا كان التاريخ متفقاً عليه بين الطرفين.
3- أن يترتب على تحديد التاريخ أثر قانوني كحساب مدة العدة، أو استحقاق النفقة، أو تحديد قيام التوارث أو سقوطه، وما يترتب على تحديد التاريخ من آثار تتعلق بالنسب.
4- تقديم الأدلة التي تحدد تاريخ الطلاق ويكون ذلك بجميع وسائل الإثبات المقررة قانوناً، كالإقرار أو الشهادة أو المحررات أو القرائن التي تطمئن إليها المحكمة.
5- وجود مصلحة قانونية قائمة ومباشرة بحيث يكون تحديد تاريخ الطلاق لازماً للفصل في حق من الحقوق المتنازع عليها.
________
وسائل  إثبات  الطلاق  أمام  القضاء  اليمني
لا يوجد في قانون الأحوال الشخصية اليمني طريق محدد لإثبات الطلاق، وإنما يخضع إثباته للقواعد العامة في قانون الإثبات الشرعي، ويجوز إثباته بجميع وسائل الإثبات التي يجيزها القانون، بحسب ظروف كل دعوى وما تطمئن إليه المحكمة. ومن أهم وسائل إثبات الطلاق أمام القضاء اليمني ما يأتي:
أولاً: الإقرار: ويعد أقوى وسائل الإثبات، فإذا أقر الزوج بوقوع الطلاق، كان إقراره حجة قاطعة عليه متى استوفى شروطه القانونية، عملاً بالمادة (87) من قانون الإثبات.
ثانياً: شهادة الشهود: ويجوز إثبات الطلاق بشهادة الشهود متى استوفت الشهادة شروطها القانونية، ولا سيما إذا وقع الطلاق شفوياً خارج المحكمة. وفقاً للشروط المقررة في قانون الإثبات.
ثالثاً: الكتابة: ويشمل ذلك المحررات الرسمية أو العرفية، أو أي كتابة تتضمن إقراراً صريحاً بوقوع الطلاق، مع مراعاة الأحكام المنظمة للأدلة الكتابية.
رابعاً: القرائن القضائية: وللمحكمة أن تستخلص من وقائع الدعوى وملابساتها القرائن التي تؤدي إلى الاطمئنان بثبوت الطلاق أو نفيه، متى كانت هذه القرائن قوية ومتساندة. وذلك وفق سلطتها التقديرية.
خامساً: اليمين: وذلك في الأحوال التي يجيز فيها قانون الإثبات توجيه اليمين أو ردها وفقاً للأحكام المنظمة لها. وتخضع جميع وسائل الإثبات لسلطة المحكمة في تقدير الأدلة، فلها أن تأخذ بما تطمئن إليه منها، وأن تطرح ما لا تقتنع به، على أن يكون حكمها مسبباً ومستنداً إلى الأدلة المطروحة في الدعوى وفقاً لأحكام القانون.
________
إثبات  الطلاق  والرجعة  أمام  القضاء  اليمني
الأصل في قانون الأحوال الشخصية اليمني أن الطلاق لا يشترط لصحته صدور حكم قضائي أو توثيقه أمام المحكمة، وإنما يقع متى صدر ممن يملك إيقاعه، واستوفى الشروط التي حددها القانون، سواء وقع باللفظ الصريح، أو بالكناية المقترنة بالنية، أو بالكتابة، أو بالإشارة المفهومة للعاجز عن النطق، وفقاً للمادة (58) من قانون الأحوال الشخصية. ولذلك فإن كثيراً من حالات الطلاق تقع خارج المحكمة، ثم يثور النزاع لاحقاً حول أصل وقوعه أو تاريخه أو نوعه أو آثاره، فيلجأ أحد الزوجين إلى القضاء لإثباته.
كما أن الرجعة لا يشترط لصحتها صدور حكم قضائي، وإنما تتحقق متى تمت وفق الأحكام المنصوص عليها في المواد (75) إلى (77) من قانون الأحوال الشخصية، سواء بالقول أو بالفعل أثناء العدة، إلا أن النزاع حول حصولها أو تاريخها أو صحتها قد يقتضي اللجوء إلى القضاء لإثباتها وترتيب آثارها القانونية. ويقتصر دور القضاء في هذه الحالات – في الأصل – على التحقق من قيام واقعة الطلاق أو الرجعة وصحتها وفق أحكام القانون، ثم إثباتها وترتيب آثارها القانونية، دون أن يكون الحكم القضائي منشئاً للطلاق أو الرجعة، لأن كليهما يعدان من التصرفات القانونية التي تنتج آثارها من تاريخ وقوعها متى استوفت شروطها القانونية، بينما يكون الحكم القضائي كاشفاً ومقرراً لها في الأصل. وتخضع دعاوى إثبات الطلاق والرجعة للقواعد العامة في الإثبات المنصوص عليها في قانون الإثبات الشرعي، فيجوز إثباتها بجميع وسائل الإثبات التي يجيزها القانون، كالإقرار، وشهادة الشهود، والكتابة، والقرائن، وغيرها من وسائل الإثبات المعتبرة قانوناً، وتقوم المحكمة بوزن الأدلة وترجيح ما تطمئن إليه وفقاً لسلطتها التقديرية.
أما عن عبء الإثبات في دعاوى الطلاق والرجعة
تخضع دعاوى الطلاق والرجعة للقواعد العامة في الإثبات، ويقع عبء الإثبات على عاتق من يتمسك بخلاف الأصل أو يدعي واقعة يترتب عليها أثر قانوني. ولذلك فإن الأصل بقاء العلاقة الزوجية واستمرارها حتى يثبت ما يزيلها أو يعدل من آثارها وفقاً للقانون. فإذا ادعى أحد الزوجين وقوع الطلاق وأنكره الآخر، فإن عبء إثبات وقوع الطلاق يقع على من يدعيه، لأنه يتمسك بواقعة مخالفة للأصل. أما إذا ثبت أصل الطلاق، ثم ادعى الزوج حصول الرجعة أثناء العدة وأنكرتها الزوجة، فإن عبء إثبات الرجعة يقع على الزوج؛ لأنها واقعة يدعيها لإثبات استمرار الزوجية وآثارها. وقد أكد قانون الأحوال الشخصية هذا المعنى في المادة (77)، إذ نص على أنه إذا اختلف الرجل والمرأة بعد انقضاء العدة على حصول الرجعة، فالقول لمنكرها، وهو ما يدل على أن مدعي الرجعة يتحمل عبء إثباتها، لأن الأصل بعد انتهاء العدة هو زوال حق الرجعة ما لم يثبت حصولها قبل انقضائها. وعليه، فإن المحكمة لا تقضي بإثبات الطلاق أو الرجعة بمجرد الادعاء، وإنما يجب على من يتمسك بأي منهما إقامة الدليل القانوني الذي يثبت دعواه، وفقاً للقواعد العامة في الإثبات.
________
حكم  الإقرار  بالطلاق  وحجيته  أمام  القضاء  اليمني
يعد الإقرار من أقوى وسائل الإثبات في القانون اليمني، بل يعد أقوى وسائل الإثبات؛ لما يتضمنه من اعتراف الشخص بحق يترتب عليه أثر قانوني في مواجهته. وقد نظم قانون الإثبات الشرعي أحكام الإقرار في المواد (78) إلى (96)، وجعل له حجية قاطعة متى استوفى أركانه وشروطه القانونية. وقد عرفت المادة (78) من قانون الإثبات الإقرار بأنه: «إخبار الإنسان شفاهاً أو كتابة عن ثبوت حق لغيره على نفسه.» ويستفاد من هذا النص أن الإقرار هو اعتراف يصدر من الشخص على نفسه، ويترتب عليه إلزامه بما أقر به متى كان صادراً عن إرادة معتبرة قانوناً. وبتطبيق ذلك على دعاوى الطلاق، فإن إقرار الزوج بوقوع الطلاق يعد من أقوى وسائل إثباته، فإذا أقر أمام المحكمة بأنه طلق زوجته، كان إقراره حجة عليه، متى توافرت شروط صحة الإقرار المنصوص عليها في القانون، وترتب على ذلك ثبوت الطلاق وآثاره القانونية بحسب نوعه وتاريخه. وقد بينت المادة (79) أن للإقرار أربعة أركان هي:
1- المقر. 2- المقر له.
3- المقر به.
4- صيغة الإقرار.
كما اشترطت المادة (80) لصحة الإقرار أن يكون المقر مكلفاً، أهلاً لأداء الحق المقر به، مختاراً، غير محجور عليه، وغير هازل، واستثنت من ذلك الطلاق والنكاح، وهو استثناء ذو أهمية خاصة في مسائل الأحوال الشخصية؛ إذ يدل على أن الهزل لا يمنع ترتيب الآثار القانونية في مسائل الطلاق والنكاح متى توافرت بقية الشروط المقررة قانوناً. واشترطت المادة (84) أن يكون الإقرار غير معلق على شرط، وأن يكون جازماً مفيداً في ثبوت الحق على سبيل اليقين، بما مؤداه أن الإقرار المحتمل أو المردد أو غير الجازم لا يصلح وحده لإثبات الطلاق. كما أوجبت المادة (85) الإشهاد على الإقرار الشفهي الذي يتم خارج مجلس القضاء، في حين قررت المادة (86) أن الإقرار الكتابي يخضع للأحكام الخاصة بالأدلة الكتابية. أما عن حجية الإقرار، فقد نصت المادة (87) صراحة على أن «الإقرار حجة قاطعة على المقر، ويجب إلزامه بما أقر به...»، وهو ما يعني أن الإقرار الصحيح يلزم صاحبه، ويعد دليلاً كاملاً في مواجهته، متى اقتنعت المحكمة بصحته واستوفى شروطه القانونية.
كما أجازت المادة (88) صدور الإقرار من الأخرس أو من يعجز عن النطق بالإشارة المفهمة أو بالكتابة، واستثنت حالات معينة لا يكون الإقرار فيها إلا بالنطق، وليس الطلاق من بينها، الأمر الذي يتفق مع أحكام المادة (58) من قانون الأحوال الشخصية التي أجازت وقوع الطلاق بالكتابة أو بالإشارة المفهومة للعاجز عن النطق.
ونصت المادة (92) على عدم صحة إقرار السكران إذا ذهب إدراكه، وهو حكم يتفق مع المادة (61) من قانون الأحوال الشخصية التي قررت عدم وقوع طلاق السكران إذا فقد الإدراك والتمييز.
كما قررت المادة (95) أن الأصل عدم تجزئة الإقرار على صاحبه، إلا في الأحوال التي نص عليها القانون، بينما أجازت المادة (96) الرجوع في بعض أنواع الإقرار، واستثنت من ذلك الإقرار بالطلاق البائن أو المكمل للثلاث، فلا يقبل الرجوع فيه وفقاً لما قرره القانون. ومن ثم، فإن الإقرار الصحيح الصادر ممن يملك الإقرار يعد من أقوى وسائل إثبات الطلاق أمام القضاء اليمني، وتلتزم المحكمة بالأخذ به متى استوفى أركانه وشروطه القانونية، ولم يقم مانع يمنع من الاعتداد به.
________
الخاتمة: يتضح من استقراء نصوص قانون الأحوال الشخصية اليمني أن المشرع لم ينظر إلى الطلاق باعتباره وسيلة عادية لإنهاء الحياة الزوجية، وإنما نظمه بضوابط دقيقة تحقق التوازن بين حق الزوج في إيقاعه، وبين حماية الأسرة وصيانة حقوق الزوجة والأولاد. ولذلك أحاط الطلاق بشروط وأحكام تتعلق بصحته، وصيغته، وأنواعه، وآثاره، والرجعة، والعدة، والنفقة، وغيرها من الأحكام التي تهدف إلى الحد من التعسف في استعمال هذا الحق وتحقيق الاستقرار الأسري. ويبرز من خلال النصوص القانونية أن التمييز بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن، وبين الطلاق الصريح والكناية، وبين الطلاق السني والبدعي، ليس مجرد تقسيم فقهي، بل يترتب عليه آثار قانونية مهمة تؤثر في حقوق الزوجين والتزاماتهما. ومن ثم فإن الفهم الصحيح لأحكام الطلاق يعد من المسائل الأساسية التي ينبغي أن يحيط بها القاضي والمحامي والباحث القانوني وكل من يتعامل مع قضايا الأحوال الشخصية، ضماناً لحسن تطبيق القانون وتحقيق العدالة وصيانة الحقوق.
والجذير بالذكر أن هذا المنشور يمثل اجتهاداً شخصياً في شرح أحكام الطلاق والرجعة في قانون الأحوال الشخصية اليمني، وقد اعتمدت فيه على نصوص القانون اليمني، مع الاستئناس ببعض الشروحات الفقهية والقانونية المقارنة لتوضيح المسائل التي لم يفصلها المشرع بنص صريح، مع الحرص على عدم مخالفة أحكام القانون اليمني. ولذلك فإن هذا الجهد قد يشوبه نقص أو سهو أو خطأ في الفهم أو التكييف، وأرحب بكل ملاحظة أو تصويب أو إضافة موثقة تسهم في إثراء هذا العمل وتصحيح ما قد يرد فيه من هفوات غير مقصودة. كما أن هذا المنشور هو ثمرة جهد شخصي في البحث والتحليل والصياغة، لذا نرجو عند نسخه أو تداوله الإبقاء على اسم الكاتب، احتراماً للحقوق الأدبية والأمانة العلمية.
________
أسأل الله التوفيق والسداد لي ولكم.
أخوكم/ الكاتب القانوني عادل الكردسي
8 /8 / 2026م
 

  الرجعة في قانون الأحوال الشخصية اليمني "الرجعة_في_قانون_الأحوال_الشخصية_اليمني"

"الرجعة_في_قانون_الأحوال_الشخصية_اليمني" "الرجعة_في_قانون_الأحوال_الشخصية اليمني"> الرجعة في قانون الأحوال الشخصية اليمني الرجعة في قانون الأحوال الشخصية اليمني

💡 قد يهمك أيضاً:

لقد كتبتُ عدة مواضيع حول فسخ الزواج هذا العام: مَن منكم لم يقرأ أحكام العدة من الطلاق البائن "في اليمن ، والاكراه على الطلاق بالحبس " في اليمن وهي مفيدة لمعرفة الحقوق الزوجية وللاطلاع على إحكام الطلاق حقوق المطلقه والحاضنه الطلاق والرجعة في قانون الاحوال الشخصية.

التسميات: