الخميس، 9 مارس 2023

القضاء المستعجل حالاته وشروطه

القضاء المستعجل حالاته وشروطه

********************************
القضاء المستعجل – حالاته وشروطه وإجراءاته – دعوى إثبات الحالة – دعوى الحراسة القضائية – الدعاوى الإيجارية المستعجلة – دعوى سماع شاهد – دعوى طرد للغصب – دعوى التمكين – الاختصاص النوعي والمحلي بالقضاء المستعجل – حجية القضاء المستعجل – الإحالة في القضاء المستعجل قاضي الأمور الوقتية – الأمر على عريضة، إجراءاته، والتظلم منه – التفرقة بين القضاء المستعجل وقاضي الأمور الوقتية – ومقارنة بين الأوامر على العرائض وأوامر الأداء

نبذة عن القضاء المستعجل
لا يوجد في القانون تعريف للقضاء المستعجل، وحسبنا أن نذكر أن القضاء المستعجل يقصد به الفصل في المنازعات التي يخشى عليها من فوات الوقت، فصلا مؤقتاً لا يمس أصل الحق، وإنما يقتصر على الحكم باتخاذ إجراء وقتي ملزم للطرفين بقصد المحافظة على الأوضاع القائمة أو احترام الحقوق الظاهرة، أو صيانة مصالح الطرفين المتنازعين.
المختص بالقضاء المستعجل أساساً هو القاضي الجزئي، ولكن ذلك لا يمنع من رفع المنازعة المستعجلة إلى المحكمة الابتدائية، بطريق التبعية لدعوى موضوعية مطروحة أمامها، وهذه صورة من صور الاختصاص المشترك لا تنفي أن لاختصاص الأصلي بالمنازعات المستعجلة معقود للقاضي الجزئي إذا ما رفع النزاع المستعجل إليه على استقلال سواء قبل رفع الدعوى الموضوعية- أو أثناء قيامها أمام محكمة الموضوع.

شروط اختصاص القاضي المستعجل

ويشترط الاختصاص القاضي المستعجل تحقق الشروط الثلاثة الآتية:
الشرط الأول. توافر ركن الاستعجال أو الخطر:
ومعنى ذلك أن تكون المنازعة مما يخشى عليه من فوات الوقت. وقد عرف الاستعجال بأنه هو الخطر المحدق بالحقوق أو المصالح التي يراد المحافظة عليها- وهو يتوافر كلما وجدت حالة يترتب على فوات الوقت حصول ضرر منها يتعذر تداركه أو إصلاحه.
وللخشية من فوات الوقت مظهران:
المظهر الأول: الخشية من زوال المعالم – ومثال ذلك أن يقوم شخص بإغراق أرض جاره بالمياه بعد أن يكون قد أعدها للزراعة – ويرغب صاحب الأرض في إثبات هذه الحالة فوراً- وظاهر أن فوات الوقت يؤدي إلى جفاف المياه وزوال معالم الواقعة التي يريد صاحب الأرض الاستناد إليها في طلب التعويض مستقبلا.
والمظهر الثاني: هو الخشية من فوات المصلحة أو ضياع الحق –كما في حالة المستأجر الذي يترك العين المؤجرة بعد أن يخربها أو يتلفها- فهذه الحالة لا تزول معالمها بمرور الوقت – ولكن يترتب على البطء في إثباتها تفويت حق المؤجر في الانتفاع بالعين أو تأجيرها للغير.
ففي مثل هذه الأحوال يقتضي الأمر اتخاذ إجراء سريع لا يحتمل الإبطاء، ونتيجة لذلك توصف المنازعة بأنها مستعجلة.
وركن الاستعجال أو الخطر يجب أن يتوافر في جميع المنازعات المستعجلة وإلا كان القاضي المستعجل غير مختص بها، ووجب عرض النزاع في شأنها على القاضي الموضوعي إن كان لذلك محل.
ونلاحظ أخيراً في خصوص ركن الاستعجال ملاحظتين:
1- أن الاستعجال ينشأ من طبيعة الحق المتنازع فيه أو من الظروف المحيطة به لا من إرادة الخصوم أو رغبتهم في الحصول على حكم سريع ولا من اتفاقهم على اختصاص القاضي المستعجل.
2- أنه إذا زال الاستعجال أثناء نظر الدعوى فالراجح أن ذلك يزيل اختصاص القاضي المستعجل (وسنعرض لهذه النقطة فيما بعد مرة أخرى).
الشرط الثاني: أن يكون المطلوب في الدعوى المستعجلة هو إجراء وقتي أو تحفظي:
فإذا تضمنت الدعوى المستعجلة طلباً موضوعياً كالحكم بالمديونية أو الملكية أو الحيازة أو البطلان أو الفسخ كان القاضي المستعجل غير مختص بالدعوى (أو على الأقل بالطلب الموضوعي).
إلا أنه يجوز للقاضي المستعجل عندما يعرض عليه طلب موضوعي خارج عن حدود اختصاصه إذا ما قدر أنه ينطوي على طلب وقتي يدخل في اختصاصه أن يغير الطلبات المطروحة في الدعوى بما يتلاءم مع اختصاصه.
وسلطة القاضي المستعجل في تعديل طلبات الخصوم على هذا النحو يعبر عنها في الفقه والقضاء بأن القاضي المستعجل يملك تحوير "الطلبات" وهذا استثناء من مبدأ حياد القاضي الذي يستلزم تقيده بالطلبات المقدمة إليه من الخصوم.
ولكن القضاء استقر على تخويل القاضي المستعجل هذه السلطة- نظراً للطبيعة الخاصة التي يتميز بها اختصاص القاضي المستعجل، وتمشياً مع الأهداف المقصودة من إنشاء هذا النوع من القضاء- وهي تفادي الأخطار المحدقة بمصالح الأفراد أو حقوقهم- خصوصاً وأن القاضي المستعجل لا يقضي إلا بإجراء وقتي ولا يفصل في أصل الحقوق.
وإذا ما تساءلنا عن تأصيل سلطة القاضي المستعجل في تحوير الطلبات نجد أن هذا تطبيق لمبدأ "التحول" في نطاق الطلبات القضائية، فإن من المقرر أن العقد الباطل لتخلف ركن من أركانه إذا تضمن في ثناياه عناصر عقد آخر صحيح فإنه يتحول إلى هذا العقد الصحيح إذا ما تبين أن إرادة المتعاقدين كانت بحيث تتجه إليه. ومثال ذلك أن يبيع شخص لآخر بعقد رسمي عقاراً، ويتبرع له بالثمن، فهذا العقد باطل كبيع، لتخلف ركن الثمن فيه، ولكنه يصح باعتباره هبة ما دامت شروط الهبة متوافرة فيه وهي نية التبرع والرسمية.
فكذلك الطلبات القضائية التي تعرض على القاضي المستعجل إذا ما تبين أن نية المدعي كانت تتجه فيها إلى طلب الحماية الوقتية، فلو طلب المدعي الحكم بأحقيته إلى ملكية عين أو حيازتها (وهذا طلب موضوعي) جاز للقاضي المستعجل أن يحور هذا الطلب إلى طلب وضع العين تحت الحراسة القضائية.
كذلك لو رفعت دعوى بطرد مستأجر من عين معينة وكان ذلك يثير نزاعا موضوعيا، فإنه يجوز للقاضي المستعجل أن يحور طلب الطرد إلى طلب حراسة.
ومن أمثلة ذلك أيضاً أن يطلب من قاضي التنفيذ باعتباره قاضياً مستعجلا الحكم ببطلان حجز (وهذا طلب موضوعي) فيمكن حمل هذا الطلب على أن المدعي إنما يرمي إلى التنفيذ لأن من يطلب الأكثر يطلب الأقل.
الشرط الثالث: ألا يكون من شأن الفصل في الدعوى المستعجلة المساس بأصل حق من الحقوق المدعاة من جانب أحد الطرفين:
وعدم المساس بالحق هو شرط لاختصاص القاضي المستعجل وقيد على سلطته في نفس الوقت.
فلو رفعت دعوى مستعجلة تتضمن مساساً بأصل الحق، فإن القاضي المستعجل يجب أن يحكم بعدم اختصاصه بها- ولو توافر ركن الخطر- ما لم يعمد إلى تحوير الطلبات، ومثال ذلك أن ترفع إليه دعوى بطلب إثبات تزوير عقد –فمثل هذا الطلب موضوعي ويمس أصل الحق، فيجب على القاضي أن يحكم بعدم اختصاصه بالدعوى، وإنما يجوز له أن يحكم بالتحفظ على العقد المطعون عليه بالتزوير وذلك فإيداعه في خزينة المحكمة داخل مظروف مختوم، فمثل هذا الإجراء الوقتي يدخل في حدود اختصاصه.

على أنه إذا رفعت إلى القاضي دعوى مستعجلة وتحقق فيها ركن الاستعجال أو الخطر وكان المطلوب فيها إجراء وقتيا أو تحفظيا- ولكن ثار فيها نزاع جدي- يتوقف على الفصل فيه الحكم في الدعوى المستعجلة بالإجراء الوقتي. وكان هذا النزاع الجدي موضوعيا فإن اختصاص القاضي المستعجل يرتفع أو ينحسر في هذه الحالة، ويتعين عليه أن يقضي بعدم الاختصاص.
وقد يعترض على ذلك بأن القاضي المستعجل متى كان مختصاً في البداية فلا يجوز أن يزول اختصاصه بسبب طارئ بعد رفع الدعوى أو أثناء سيرها، ولكن هذا الاعتراض مردود بأن اختصاص القاضي المستعجل يتحدد على مرحلتين:
فهو في المرحلة الأولى ينحصر في الاختصاص بنظر الدعوى.
وهو في المرحلة الثانية يتمثل في الاختصاص بالحكم في الدعوى.
ومتى انتفى اختصاص القاضي في المرحلة الأولى فإن ذلك يستبعد بداهة الانتقال إلى المرحلة الثانية.
أما إذا توافر الاختصاص بالنظر فإننا ننتقل إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة الاختصاص بالحكم، فإذا لم يتوافر هذا الاختصاص، وجب على القاضي أن يتوقف وأن يقضي بعدم اختصاصه.
ويتحقق ذلك في صورتين:
أولاهما: أن يزول ركن الاستعجال أو الخطر بعد أن كان متحققا في بداية رفع الدعوى. فإن ذلك يزيل اختصاص القاضي بالحكم فيها-كما لو سدد المستأجر الأجرة أثناء رفع دعوى الطرد المستعجلة فينتفي بذلك الخطر على حقوق المؤجر.
ومن أمثلة ذلك أيضاً أن ترفع دعوى مستعجلة بإثبات حالة ثم يتغيب المدعى والمدعى عليه فيها فتشطب ولا يجددها المدعى إلا بعد مضي فترة طويلة كفيلة بزوال حالة الاستعجال، فهذا التراخي في الدعوى يزيل الاستعجال.
والصورة الثانية: أن يثور أثناء الدعوى نزاع موضوعي ويكون هذا النزاع جدياً والفصل فيه ضرورياً للحكم في الدعوى.
مثال ذلك: أن ترفع دعوى طرد مستأجر بحجة انتهاء عقد إيجاره أو تكون دعوى الطرد مؤسسة على وجود شرط فاسخ صريح وارد في عقد الإيجار وأن هذا الشرط قد تحقق- فيثير المستأجر نزاعاً موضوعياً حول انتهاء عقد الإيجار أو حول وجود الشرط الفاسخ الصريح أو حول تحققه.
ولكن لا يكفي أن يثور نزاع موضوعي أياً كان حتى يزول اختصاص القاضي المستعجل – وإلا لأمكن للمدعى عليه أن يستبعد الاختصاص المستعجل بإثارة أي نزاع جدياً والفصل فيه لازما للحكم في الدعوى المستعجلة، فإن تبين القاضي من ظاهر الأوراق أن النزاع غير جدي فإنه لا يقضي بعدم الاختصاص، ومن أمثلة ذلك على ما ورد في أحد أحكام محكمة النقض من ادعاء المستأجر بأنه استأجر نفس المكان بعقد جديد من وكيل المالك، إذ يتضح أنه ليست هناك وكالة.
ويلاحظ أخيراً أن اختصاص القاضي المستعجل يختلف عن اختصاص أي قاض آخر لأن المحاكم الموضوعية عندما تجد مسألة أولية في الدعوى (أي مسألة يتوقف عليها الفصل في الدعوى) ، وتكون هذه المسألة خارجة عن اختصاص المحكمة فإنها توقف الدعوى لحين الفصل في المسألة الأولية ويبقى الاختصاص بالدعوى الموقوفة قائماً للمحكمة التي رفعت إليها تلك الدعوى. أما القاضي المستعجل فلا يملك أن يوقف الدعوى لحين الفصل في النزاع الموضوعي –لأن ذلك يزيل ركن الاستعجال ويجعل اختصاصه بعدئذ عديم الفائدة –وإنما يفصل بحسب الظاهر.
مواطن عدم المساس بأصل الحق:
وعدم المساس بأصل الحق كشرط لاختصاص القضاء المستعجل يتمثل في جملة مواطن أن مواضع من الدعوى:
أولها: في الطلبات المعروضة على القاضي: إذ يجب ألا تكون طلبات موضوعية. والطلبات الموضوعية هي التي تتعلق بأصل الحق. ومثالها طلب الحكم بالمديونية أو الملكية أو البطلان أو الفسخ أو براءة الذمة أو سقوط الحق بالتقادم إلى غير ذلك من الطلبات المماثلة.
وثانيها: في بحث المستندات. إذ أن القاضي المستعجل يحكم بحسب الظاهر فلا يجوز له أن يتعمق في بحث المستندات أو أن يقطع في شأنها برأي حاسم أو أن يفسرها سواء كانت عقوداً أو أحكاماً، بل أنه يحكم بحسب ما يبدو له لأول وهلة أو لأول نظرة (أو على حد تعبير محكمة النقض أنه يتحسس المستندات، أي يبحثها بحثاً عرضيا).
فإذا ما تعمق في بحثها أو تطرق إلى تفسيرها فإنه يكون قد جاوز اختصاصه.
وثالث هذه المواضع – هو في تسبيب الحكم: إذ يجب ألا يستند القاضي المستعجل في أسبابه إلى ثبوت الحق أو نفيه بل يجب أن يقتصر على الترجيح بين الاحتمالات دون أن يقطع برأي في أصل الحق، وإلا فإن حكمه يكون مبنياً‌ على أساس فاسد لتجاوزه حد اختصاصه.
ولهذا نجد أن أسباب الأحكام المستعجلة تتردد فيها غالباً عبارة: "وحيث أنه يبدو....." أو "وحيث أن الظاهر من الأوراق أو من الظروف......" فلا يجوز أن يقول القاضي المستعجل: "وحيث أنه قد ثبت....." –لأنه بذلك يكون قد اعتدى على ولاية القاضي الموضوعي ولم يبق شيئاً ليحكم فيه- مع أن القاعدة أن أصل الحق يبقى سليماً محفوظاً يتناضل فيه الخصمان أمام محكمة الموضوع ولا يتأثر بما ورد في الحكم المستعجل
وسنرى أن من نتائج ذلك اعتبار حجية الحكم المستعجل مؤقتة ونسبية بمعنى أنها لا تؤثر على قضاء الموضوع.
والموضوع الرابع: هو في منطوق الحكم: فلا يجوز للقاضي المستعجل أن ينتهي في قضائه إلى تقرير ثبوت الحق أو نفيه أو إلى إلزام أحد الخصمين بأداء حق إلى الآخر بل كل ما يستطيعه هو الحكم بإجراء مؤقت.
وتظل للإجراء الوقتي المحكوم به صفة الوقتية حتى ولو ترتب عليه ضرر دائم أو ضرر يتعذر تداركه كما في حالة الحكم بالطرد مثلا إذ ما شغلت العين التي طرد منها المستأجر، أو الحكم بالهدم إذا ما تم الهدم، ثم تبين بعد ذلك أمام قاضي الموضوع أن من صدر الحكم بالطرد أو الهدم لصالحه لم يكن محقاً في طلبه من الناحية الموضوعية، فإن تعذر إعادة الحال إلى ما كانت عليه ا ينفي أن الإجراء كان مع ذلك وقتياً، مقصوداً به تدارك الخطر العاجل الذي كان ماثلا أما القاضي المستعجل، مع بقاء أصل الحق سليما.
وتترتب على وجوب امتناع القاضي المستعجل عن المساس بأصل الحق نتيجة هامة، هي أنه لا يجوز له أن يحكم بإحالة الدعوى المستعجلة إلى التحقيق أي أن يسمع شهوداً كما لا يحوز له أن يقضي بتوجيه اليمين الحاسمة أو أن يحقق الادعاء بالتزوير، ولهذا فإن القاضي المستعجل لا يصدر أحكاماً تمهيدية بل ينتهي دائماً إلى القضاء بإجراء وقتي بموجب حكم يختتم به الدعوى دون أن تسبقه أحكام تمهيدية.
وإنما أجيز للقاضي المستعجل أن يقضي بالمعاينة أو يندب خبيراً إذا كان من شأنه هذا الإجراء التحقق من توافر ركن الاستعجال أي باعتبار ذلك وسيلة للتحقق من اختصاص القاضي، ومثال ذلك دعوى ترفع بطلب وقف أعمال الهدم أو البناء في عقار مجاور لأن ذلك يهدد عقار المدعى، فيجوز للقاضي أن يعاين أو أن يندب خبيراً للتثبت من أن هذه الأعمال تهدد عقار المدعى، فإذا تبين له ذلك كان مختصاً، وإلا فإن ركن الخطر ينتفي، وينتفي بذلك اختصاصه.
*****
هذه هي الشروط اللازمة لاختصاص القاضي المستعجل، ويلاحظ أن أي شرط منها لا يغني عن الآخر بل لابد أن تتوفر جميعاً. فلو توافر الاستعجال والخطر، وتبين أن هناك مساساً بأصل الحق كان القاضي المستعجل غير مختص مهما بلغت درجة الخطورة. والعكس صحيح بمعنى أنه لو طلب من القاضي إجراء وقتي ولم يكن في ذلك أي مساس بأصل الحق ولكن انتفى الاستعجال فإنه يكون غير مختص.
ويجدر أخيراً أن نكرر الإشارة إلى أنه لا يكفي اتفاق الطرفين على اختصاص القاضي المستعجل لأن اختصاصه من النظام العام فهو لا يتولد من إرادة الطرفين بل من طبيعة الخصومة أو المنازعة والإجراء المطلوب فيها.

كيفية الالتجاء إلى القضاء المستعجل
يلجأ المتقاضون إلى القضاء المستعجل عن طريق رفع دعوى بصحيفة تودع ثم تعلن متضمنة تكليف الخصم بالحضور إلى المحكمة في جلسة تحدد لذلك، وتعقد هذه الجلسة أمام القاضي المستعجل فيدلي فيها كل من الطرفين بدفاعه ويقدم حجته ويطلع كل منهما على مستندات خصمه ويناقشها أو يمكن من الإطلاع عليها ومناقشتها ثم تنتهي الدعوى بحكم مسبب.
وإذا كان المشرع قد قرر بالنسبة لإشكالات التنفيذ طريقاً خاصاً لرفعها تتميز به عن غيرها من المنازعات القضائية –وهو إبداؤها أمام المحضر شفويا عند حضوره لإجراء التنفيذ –فإن ذلك لا يغير من كيفية سير الخصومة بعد ذلك أمام المحكمة إذ أن إبداء الإشكال أمام المحضر يعتبر بمثابة رفع الدعوى فيجب في هذه الحالة دفع رسوم الدعوى إلى المحضر الذي يتعين عليه إثبات ذلك في محضر التنفيذ وتحديد جلسة لنظر الإشكال أمام قاضي التنفيذ باعتباره قاضياً للأمور المستعجلة - مع تكليف الخصوم بالحضور أمامه في تلك الجلسة - ويعتبر الإشكال مرفوعاً من وقت إبدائه أمام المحضر، فإذا قصر المحضر في رفع الإشكال إلى القاضي عن طريق تحديد جلسة لنظره –جاز للمستشكل تحريك الإشكال بتحديد جلسة وتكليف خصمه بالحضور إليها ولا يعتبر ذلك إشكالا جديداً.

ونرى مما تقدم أن لرفع الدعوى المستعجلة طريقتين (الأولى) هي إعداد صحيفة تودع قلم الكتاب وتعلن مع تكليف الخصم بالحضور أمام المحكمة لسماع الحكم عليه بالطلبات الواردة بالصحيفة، وهذه الطريقة عامة وتتبع بالنسبة لجميع المنازعات المستعجلة – أما الطريقة (الثانية) فهي إبداء المنازعة أمام المحضر عندما تكون هذه المنازعة متعلقة بالتنفيذ أي إشكالا في التنفيذ، وهذه الطريقة خاصة بالإشكالات ولا تتبع بالنسبة لغيرها من الدعاوى المستعجلة، لأنها لا تتسنى إلا في حالة المنازعات المتعلقة بالتنفيذ، التي تقتضي بطبيعتها وجود المحضر في الموقع عند إبداء المنازعة، والتي ترفع إلى قاضي التنفيذ باعتباره قاضياً للأمور المستعجلة.
ويراعى أن رفع الإشكال بهذه الطريقة الخاصة اختياري إذ يجوز لمن يرغب في أن يستشكل في التنفيذ أن يرفع إشكاله بالطريق المعتاد أي بالصحيفة المقيدة المعلنة.
على أنه حتى لو اتبعت هذه الطريقة الخاصة فإن الدعوى المستعجلة تسير بعد رفعها طبقاً للنظام العادي أي تنظر في جلسة علنية يحضر فيها طرفا الخصومة لإبداء دفاعهما مع مجابهة كل منهما للآخر، وتنتهي الدعوى بحكم مسبب، وفي هذا يختلف عمل القاضي المستعجل عن عمل القاضي الوقتي الذي يلجأ إليه أصحاب الشأن بطلبات تقدم على عرائض ينظرها القاضي في خلوته دون استدعاء الخصوم ودون مواجهتهم وبغير دفاع أو مناقشة أو مجابهة، ثم يؤشر القاضي على العريضة بما يراه من إجابة الطلب أو رفضه أو إجابة جزء منه، وكل ذلك دون أسباب وفي غير جلسة علنية ولا تعتبر التأشيرة التي يذيل القاضي بها العريضة حكما، بل تعتبر أمراً صادراً من القاضي الوقتي بناء على سلطته الولائية.

وقد ثار التساؤل عن معيار التفرقة بين الإجراءات الوقتية التي ترفع بها دعوى مستعجلة والإجراءات الوقتية التي تقدم بها عريضة إلى قاضي الأمور الوقتية –والواقع أن العمل هو الذي يحدد الطلبات الوقتية التي تعرض على القاضي الوقتي وتلك التي تعرض على القاضي المستعجل –ما لم يوجد نص يلزم بالالتجاء إلى أحدهما ويحدد الطريق الواجب الإتباع.
ولهذا ينبغي أن نستعرض تطبيقات عملية للقضاء المستعجل.

تطبيقات عملية للقضاء المستعجل

1- التطبيق الأول: دعوى إثبات الحالة

هي دعوى يقصد منها إلى تهيئة الدليل في دعوى موضوعية مرفوعة فعلا أو سترفع في المستقبل وذلك عندما تحدث واقعة يخشى من زوال معالمها أو من تغيير هذه المعالم بمرور الوقت –ومثال ذلك دعوى إثبات حالة أرض غمرتها المياه قبل أن تنحسر عنها، أو دعوى إثبات حالة حريق أو هدم... الخ.
وفي هذه الأحوال قد يقوم القاضي المستعجل بالمعاينة بنفسه ويحرر بذلك محضراً يثبت فيه ما شاهده في المعاينة. أو يقوم بانتداب خبير لوصف الحالة القائمة، وهذا هو الغالب إذ قلما ينتقل القاضي للمعاينة بنفسه، ومتى تم وصف الحالة القائمة تنتهي الدعوى بذلك ويصدر القاضي حكما بانتهائها.
على أنه إذا قام الخبير تقريراً فمن الجائز مناقشة هذا التقرير والطعن عليه، وقد ينتهي الأمر بتعيين خبير آخر أو بتكليف الخبير نفسه بإكمال عمله إذا تبين أن به نقصاً أو ثمة ما يستدعى استكمالا، وقد ترى المحكمة استدعاء الخبير أمامها لمناقشته في تقريره.
على أن الدعوى تقف على كل حال عند هذا الحد، لأنها تقتصر على تهيئة الدليل، ويحكم القاضي عندئذ بانتهاء الدعوى.
وغنى عن البيان آن الحكم الذي يصدر في مثل هذه الدعوى يجوز استئنافه ويمكن في الاستئناف طلب ندب خبير آخر أو إعادة المأمورية للخبير لاستيفائها كما يمكن طلب مناقشة الخبير. ويشترط في دعوى إثبات الحال توافر ركن الاستعجال، أي أن تكون الواقعة متغيرة المعالم مع مضي الزمن –فإن كانت المعالم قد زالت فعلا- أو كانت من المعالم الثابتة التي لا تزول بمرور الوقت ولا يترتب على مضي الزمن تفويت مصلحة أو حق نتيجة لذلك – فإن ركن الاستعجال ينتفي في هذه الحالة وتخرج الدعوى من مجال اختصاص القضاء المستعجل، ويجب عندئذ أن يطلب إثبات الحال من القاضي الموضوعي عند رفع الدعوى الموضوعية.

2- التطبيق الثاني: دعوى الحراسة القضائية

الحراسة القضائية هي إجراء تحفظي مؤقت يقصد به إلى وضع المال المتنازع عليه منقولا كان أم عقاراً تحت يد شخص أمين يحافظ عليه ويسلمه لمن يثبت أنه صاحب الحق فيه ويكون للحارس إدارة المال واستغلاله إن كان قابلا لذلك –كمنزل يؤجر أو مصنع يدار- ثم يوزع غلته كلها أو بعضها أو يودعها في خزينة المحكمة لتصرف لمن يثبت له الحق فيها.
ويجب لفرض الحراسة أن يكون هناك نزاع جدي على إدارة المال أو على ملكيته أو حيازته كما هي الحال بالنسبة للأموال الشائعة التي تكون مملوكة لجملة أشخاص إذا قام نزاع بين الشركاء المشاعين حول ملكية المال أو إدارته –وكما هي الحال بالنسبة للتركات- وقد وردت في القانون المدني نصوص متعلقة بالحراسة القضائية (أنظر المادة 730 مدني) وتتضمن هذه النصوص وجوب توافر خطر عاجل حتى يقضي بالحراسة. على أن تقدير هذا الخطر أو هذه الضرورة التي تدعو إلى تعيين حارس قضائي أمر متروك للقاضي المستعجل.

ومن صور الحراسة القضائية ما عرض على القضاء المستعجل من تعيين حارس قضائي على المصعد الكهربائي إذا تعطل. أو على جهاز تسخين المياه في إحدى العمارات الكبيرة إذا امتنع المالك عن تشغيله – وقد تفرض الحراسة على مال معنوي كحق المؤلف أو حق شخصي كحق الإيجار أو على مجموع من المال كالمتجر أو التركة، وإنما الذي لأي يجوز هو وضع الحراسة على مجموع الذمة المالية للشخص، أو أن تكون الحراسة وسيلة إلى اقتضاء الديون، أي طريقاً من طرق التنفيذ، فقد جرى القضاء على رفض طلب الحراسة إذا كان الطالب دائناً يرمي من طلبه إلى تحصيل ديونه أو على تنفيذ التزام شخصي عن طريق فرض الحراسة القضائية –لأن الحراسة ليست طريقاً من طرق التنفيذ. كذلك لا يجوز فرض الحراسة إذا كان ذلك يمس حرية الشخص أو كرامته أو إذا كان العمل المطلوب مما لا يمكن أن يقوم به إلا المدعى عليه نفسه كالحراسة على عيادة طبيب أو مكتب محام.
وقد اختلف الرأي في جواز وضع إحدى الكنائس تحت الحراسة القضائية وقضي بعدم جواز ذلك لأن الحارس القضائي لا يمكن أن يقيم الشعائر الدينية في الكنيسة أو أن يعين من يقيمها (وهناك رأي مخالف).
والحراسة القضائية على كل حال لا تفرض بأمر من قاضي الأمور الوقتية بل لابد من صدور حكم بها من القضاء المستعجل لأنها يعتبر منازعة قضائية.
والمحكمة التي تقضي بفرض الحراسة التي تختار الحارس الذي تعينه وهي التي تحدد مأموريته والتزاماته فيجوز لها أن تصرح له بالإدارة منفرداً أو أن تخضعه في ذلك لرقابة معينة أو أن تخوله سلطات محدودة، كما تملك إلزامه بإيداع الربع كله في خزينة المحكمة أو تصرح له بصرفه كله أو بعضه لمستحقيه. وتقترن الحراسة عادة بتكليف الحارس بتقديم كشوف شهرية أو دورية في قلم كتاب المحكمة، مؤيدة بالمستندات.
وإذا خالف الحارس ما ألزمته به المحكمة جاز عزله وتعيين حارس آخر بدله أو تعيين حارس ثان ينضم إليه ليباشر الحارسان معاً مهمة الحراسة ويكون كل منهما رقيباً على الآخر، فالمحكمة المختصة بتعيين الحارس هي المختصة بعزله أو استبداله إذا اعتذر عن قبول المهمة أو توفي أو جد من الأسباب ما يوجب استبداله حتى لو لم ينسب إليه خطأ أو مخالفة، كما لو عين في منصب يتعذر معه قيامه بالمهمة كما يجب.
ويجوز للقاضي المستعجل إنهاء الحراسة وتسليم الأموال الموضوعة تحت الحارسة إلى أصحابها إذا تغيرت الظروف كما لو انتهى النزاع بينهم قضاء أو رضاء أو اشترى أحدهم حصص الباقين فكل ذلك من اختصاص القضاء المستعجل.

3- التطبيق الثالث: المنازعات بين المؤجرين والمستأجرين:
قد تثير هذه المنازعات اختصاص القاضي المستعجل في الحالات التي يتوافر فيها ركن الخطر أو الاستعجال، ومثال ذلك: أن تكون العين المؤجرة في حاجة إلى ترميمات ضرورية، ويرفض المؤجر إجراء هذه الترميمات فيرفع المستأجر دعوى مستعجلة يطلب فيها التصريح له بإجراء الترميمات على نفقة المؤجر تجنباً للخطر الذي ينشأ عن القيام بها –أو أن تكون العين في حاجة إلى ترميم، ويرفض المستأجر إدخال المؤجر لإجرائه فيرفع المؤجر دعوى بطلب تمكينه من الدخول في العين لإجراء الترميمات إذا تبين أن إجراءها يستلزم دخوله – أو يطلب إخلاء المستأجر مؤقتاً من العين أو من جزء منها لحين إجراء الترميمات ... إلى غير ذلك من المنازعات المستعجلة التي يتبين فيها توافر الخطر والاستعجال.
ومن الصور الهامة التي تعرض على القضاء المستعجل في هذا المجال: "دعوى الطرد المستعجلة" التي يرفعها المؤجر على أساس وجود شرط فاسخ صريح في عقد الإيجاز –وعلى أساس تحقق هذا الشرط. وفي هذه الدعوى يجب أن يستوثق القاضي المستعجل من هذه الأمرين (وجود الشرط الفاسخ الصريح- وتحققه) فإذا تشكك في أحدهما وجب عليه أن يتوقف عن الفصل في موضوع الدعوى يمس أصل الحق – وقد رأينا أنه إذا ثار النزاع جدي موضوعي فإن هذا يمنع اختصاص القاضي المستعجل ولا شك في أن المنازعة في وجود الشرط الفاسخ الصريح أو في تحققه متى كانت جدية فإنها تكون منازعة موضوعية تؤدي إلى تخلف شرط الاختصاص المستعجل مما يتعين معه الحكم بعدم الاختصاص.

4- التطبيق الرابع: دعوى سماع شاهد يخشى عليه:
إذا كان نزاع متوقع أو قائم يستدعى سماع الشهود ويتبين أن أحد الشهود مريض بمرض خطير أو أصيب في حادث بحيث يخشى اقتراب منبته، أو أنه على وشك السفر في رحلة بعيدة طويلة المدى فيمكن لمن يريد استشهاد بهذا الشاهد أن يرفع دعوى مستعجلة يطلب فيها سماع أقوال هذا الشاهد أمام القاضي المستعجل بعد حلف اليمين –ويحفظ المحضر الذي تثبت فيه هذه الشهادة ليقدم فيما بعد كمستند في دعوى الموضوع –وتنتهي الدعوى المستعجلة بذلك، وقد نص المشرع على هذه الدعوى بنص خاص (المادة 222 مرافعات) ولولا وجود هذا النص لما أمكن أن يختص بها القاضي المستعجل أو أن تكون مقبولة.
وقد اشترط المشرع في هذا الصدد أن تكون الواقعة مما يجوز إثباته بشهادة الشهود وأن يتحقق القاضي من وجود ضرورة تدعو إلى ذلك كالخوف على حياة الشاهد أو تعرضه للمخاطر أو سفره في رحلة قد لا يعود منها إلا بعد فوات الأوان أو قد لا يعود منها أبداً.

5- التطبيق الخامس: دعوى طرد الغاصب
يختص القاضي المستعجل بطرد الغاصب، وهو من يضع يده على عقار مملوك لسواه أو يحوزه سواه دون أن يكون له في ذلك سند قانوني، ووجه اختصاص القضاء المستعجل في هذه الحالة هو أن الغصب في حد ذاته يشكل خطراً على حقوق المالك تنبغي المبادرة على إزالته على أساس أن القضاء المستعجل يختص دائماً برد العدوان البادي على الحقوق وبإزالة العراقيل المادية التي تحول بين المرء وحقه.
والواقع أن الغضب قد يترتب عليه تفويت مصلحة المالك في الانتفاع بملكه على الوجه الذي يراه، وقد يؤدي استمرار الغصب –على كل حال- إلى اكتساب الغاصب لصفة الحائز، ولذلك تعتبر دعوى طرد الغاصب من الدعاوى المستعجلة، ولكن ينبغي فيها ثبوت حق المدعى وأن يفتقر المدعى عليه إلى السند القانوني الذي يبرر وضع يده. فإذا ادعى المدعى عليه أنه يضع يده بناء على سند قانوني ووجد القاضي أن ادعاؤه هذا لا يقوم على أساس من الجد حكم بطرده، أما إذا كان لهذا الادعاء أساس جدي ولو في الظاهر فإن القاضي المستعجل يحكم عندئذ بعدم اختصاصه لأن خوضه في بحث سند المدعى عليه في وضع يده يمس بأصل الحق، وبعبارة أخرى أنه لا يكفي أن تقوم من جانب المدعى عليه منازعة في هذا الشأن حتى يمتنع على القاضي المستعجل نظر الدعوى وإلا لكان معنى هذا ألا يختص القضاء المستعجل بطرد أي غاصب أبداً إذ يكفي الغاصب أن يثير أية منازعة ولو كانت واهية لكي يستبعد اختصاص القضاء المستعجل. وإنما يجب أن تكون هذه المنازعة ظاهرة الجد معززة بالدليل.

ويختص القضاء المستعجل بطرد الغاصب إذا لم يكن له سند أصلا في وضع يده أو إذا كان له سند قانوني وزال. لأن زوال السند يجعل وضع يده غصبا. ومثال ذلك أن يشتري شخص عقاراً ويتسلمه ثم يفسخ عقد البيع أو يقضي ببطلانه ويستمر المشتري واضعاً اليد على العقار. ولذلك يختص القضاء المستعجل بطرد المستأجر إذا انتهى عقده بالفسخ أو بأي سبب آخر من أسباب الانقضاء.
ويحكم أيضاً بطرد الغاصب ولو استند إلى إجراء أتضح أنه غير قانوني ومثال ذلك أن يستولى الغاصب على العقار بموجب حكم صادر ضد شخص آخر غير مالك العقار أو حائزه. لأن هذا الأسلوب الملتوي في سلب الحيازة يجعل من حق الحائز للعقار ولو لم يكن مالكا أن يطلب طرد من اغتصب الحيازة منه بهذه الطريقة.
فدعوى طرد الغاصب إذن لا يشترط أن يكون رافعها مالكا للعقار بل يكفي أن يتحقق فيه صفة الحائز أي أن تتوافر له الشروط القانونية اللازمة لاعتباره حائزاً بالمعنى القانوني.
وقد قيل بأنه يجب أن يتوفر في دعوى طرد الغاصب ركن الاستعجال ولكننا نعتقد أن ركن الاستعجال متوافر دائماً كلما تحققت حالة الغصب لأن العدوان على الحق يخلق حالة الخطر ولا يمكن اعتبار السكوت على الغصب فترة من الزمن إقراراً للغصب لأن استمرار الغصب يؤدي إلى تزايد الخطر، ويكفي لتوافر الاستعجال أن يقرر المدعي أنه في حاجة إلى الانتفاع بالعقار ولو كانت رغبته في الانتفاع به قد استجدت وقت رفع الدعوى. ولذلك فإن الاستعجال هنا قائم دائماً وتفرضه ظروف الدعوى نفسها لأن الغصب عدوان ومن وظيفة القاضي المستعجل أن يمنعه وأن يمنع استمراره فلا يزيل ركن الاستعجال إلا أن يكون المغتصب قد انقلب حائزاً بالمعنى القانوني متى توافرت له الشروط اللازمة لوصف وضع يده بأنه حيازة.

6- التطبيق السادس: دعوى التمكين:
يقصد بدعوى التمكين الدعوى التي ترفع لرد الحال إلى ما كانت عليه ومثالها أن يصدر حكم بطرد مستأجر ويتم تنفيذ هذا الحكم ولكن المستأجر يتوصل على إلغائه عن طريق الطعن عليه بالاستئناف مثلا ويصدر حكم الإلغاء بوقف تنفيذ حكم الطرد، فيتقدم المستأجر على القاضي المستعجل طالبا الحكم بتمكينه من العودة إلى شغل المكان الذي طرد منه.
ومثال ذلك أيضاً أن يقضي بهدم مسقى ويتم تنفيذ الحكم وهدم المسقى ولكن يلغي الحكم بعد ذلك استئنافياً فيتقدم المنتفع بالمسقى إلى القضاء المستعجل بطلب تمكينه من إعادة الحال إلى ما كانت عليه أي بإعادة حفر المسقى التي هدمت.

وما يقال بالنسبة لإلغاء الحكم في الاستئناف يقال أيضاً بالنسبة لنقض الحكم إذا ما طقن عليه بطريق النقض وقررت محكمة النقض قبول الطعن ونقض الحكم. ويصدق ذلك أيضاً في حالة صدور حكم مشمول بالنفاذ رفع طلب بوقف نفاذه فبادر صاحب المصلحة إلى تنفيذه ثم صدر الحكم بوقف تنفيذه مما يؤدي إلى عدم الاعتداد بما تم من أعمال التنفيذ وإلى اعتبار هذه الأعمال عدوانا أو أعمالا مادية ليس لها أثر قانوني، ما دامت قد تمت أثناء نظر طلب وقف النفاذ وهو ما يقتضي إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل التنفيذ.

وتسمى هذه الدعوى عملا دعوى التمكين. والغرض منها هو إعادة الحال إلى ما كانت عليه، ما دام. ذلك ممكناً، كما لو كانت العين (التي طرد منها المستأجر في مثالنا السابق) لم تشغل بعد أو شغلها المالك نفسه الذي حصل على حكم الطرد. أما إذا تم تأجير العين لشخص آخر، فلا يجوز في هذه الحالة الحكم بالتمكين لن الغير قد تعلق له بها حق. فالحكم بالتمكين يؤدي إلى المساس بحق ذلك الغير، ومن ثم لا يكون القضاء المستعجل مختصا بالدعوى في تلك الحالة حتى لو ادعى طالب التمكين بصورية حق ذلك الغير أو بأنه متواطئ مع المالك للإضرار بحقوقه، لأن البت في أمر الصورية أو الغش يعتبر فصلا في أصل الحق فلا يملكه إلا قاضي الموضوع.
وتشتبه دعوى التمكين بدعوى طرد الغاصب في حالة ما إذا توصل شخص إلى الاستيلاء على عقار ووضع يده عليه بطريق الحيلة أي عن طريق تنفيذ حكم صادر على غير المستأجر أو على غير الحائز، فترفع الدعوى هنا على من قام بتنفيذ ذلك الحكم، بتمكين المستأجر أو الحائز من العودة إلى العقار أي إعادة وضع يده عليه. ولكن دعوى التمكين تستعمل غالبا في حالة إلغاء الأحكام بعد تنفيذها فيكون الغرض منها هو إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل التنفيذ، على اعتبار أن ما تم من أعمال التنفيذ لا يعدو أن يكون أثراً من آثار الحكم الملغي فيزول بزواله وتهبط تلك الأعمال إلى مستوى الأعمال المادية أو تعتبر عملا من أعمال القوة التي يختص القضاء المستعجل دائما بردها ومنع استمرارها الذي يؤدي إلى تزايد الضرر الناشئ عنها بمضي الوقت، فهي إذن من الحالات التي يخشى عليها من فوات الوقت، وبهذه المثابة يختص بها قاضي الأمور المستعجلة (العادي) كما أن من الممكن أن يقال بأنها تعتبر من إشكالات التنفيذ، على تقدير أن تنفيذ حكم الإلغاء يقتضي إلغاء إجراءات تنفيذ الحكم الملغي – وهو ما يسمى أحياناً في العمل باسم "التنفيذ العكسي" وعلى أساس هذا التخريج يمكن إسناد الاختصاص بدعوى التمكين في هذه الحالة إلى قاضي التنفيذ.

الاختصاص النوعي والمحلي للقاضي المستعجل
أولا: الاختصاص النوعي:
القاضي المستعجل هو قاض جزئي. وتستأنف أحكامه على المحكمة الكلية. ولكن المشرع قرر أنه في المدن التي توجد بها محكمة كلية يندب أحد قضاة المحكمة الكلية لنظر المنازعات المستعجلة (الخاصة بهذه المدينة) ويباشر عمله في مقر المحكمة الكلية. ولكن هذا لا يؤثر في طبيعة اختصاص القاضي المستعجل، لن وجوده في مقر المحكمة الكلية لا ينفي أنه قاض جزئي، أما تجميع المنازعات المستعجلة التي تثور في سائر أنحاء المدينة أمامه فهو ليس غلا توزيعا للعمل بحسب المكان أي أنه يتعلق بالاختصاص المكاني أو المحلي لا بالاختصاص النوعي، وكل ذلك لا يؤثر على طبيعة عمله وأنه يباشر ولايته بصفته قاضياً جزئياً.
أما في خارج دائرة المدينة التي بها مقر المحكمة الكلية فلا شبهة، لأن الاختصاص بالمنازعات المستعجلة مسند إلى المحكمة الجزئية بنص المادة 45 مرافعات فقرة (2).
على أنه يراعى أن المنازعة المستعجلة قد ترفع بطريق التبعية لدعوى موضوعية قائمة أمام محكمة الموضوع التي قد تكون محكمة ابتدائية، وتستأنف أحكامها – (سواء أكانت صادرة في موضوع الدعوى أو في الطلب المستعجل المقترن بها والتابع لها) – إلى محكمة الاستئناف العليا.

وفي هذه الحالة يثور التساؤل عما إذا كان ذلك يؤثر على الاختصاص النوعي بالمنازعات المستعجلة بمعنى أن يعتبر قضاء الأمور المستعجلة قضاء نوعياً له طبيعة خاصة تجعله تارة مسنداً للقاضي الجزئي وتارة إلى المحكمة الكلية.
والجواب على ذلك أن هذه صورة من صور الاختصاص المشترك لا تؤثر في القاعدة الأصلية وهي أن النزاع المستعجل إذا رفع مستقلا فإنه يرفع على القاضي الجزئي، سواء أكانت هناك دعوى موضوعية قائمة أو لم تكن، وسواء أكانت ام لم تكن

التسميات:

تحريك الدعوى الجزائية ورفعها ومباشرتها في القانون اليمني

تحريك الدعوى الجزائية ورفعها ومباشرتها في القانون اليمني

===================================
تحريك الدعوى الجزائية ورفعها ومباشرتها في القانون اليمني نموذجا

بموجب الأحكام الواردة في القرار الجمهوري بالقانون رقم (13) لسنة 1994م بشأن الإجراءات الجزائية اليمني

أولا:في من له رفع الدعوى الجزائية:

كرست المواد من (21-24) من القرار الجمهوري بالقانون رقم (13) لسنة 1994م بشأن الإجراءات الجزائية اليمني النيابة العامة كصاحبة الولاية في تحريك الدعوى الجزائية ورفعها ومباشرتها أمام المحاكم، ولا ترفع من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون، ولا يجوز لها وقف الدعوى الجزائية أو تركها أو تعطيل سيرها أو التنازل عنها أو عن الحكم الصادر فيها أو وقف تنفيذها إلا في الأحوال المبينة في القانون، على أن يقوم النائب العام بنفسه أو بواسطة أحد أعضاء النيابة العامة بمباشرة الدعوى الجزائية، وان يعتبر المجني عليه أو المدعي بالحق الشخصي أو المدعي بالحق المدني خصماً منضماً للنيابة العامة في الدعوى الجزائية ومدعياً في الدعوى المدنية المرتبطة بها، إذا كانت له طلبات ما. 

كما يعتبر المسئول عن الحقوق المدنية خصماً منضماً للمتهم في الدعوى الجزائية والدعوى المدنية المرتبطة بها إذا أدخل أو تدخل فيها ولو لم توجه إليه طلبات ما. 

ثانيا: في قيود رفع الدعوى الجزائية:

كما عالجت المواد من (25-31) ضمنا من ذات القانون، قيود رفع الدعوى الجزائية، بحيث لم يجز المشرع رفع الدعوى الجزائية على القضاة أو أعضاء النيابة العامة إلا بإذن من مجلس القضاء الأعلى بناءً على طلب النائب العام، مع إخطار وزير العدل، ويعين المجلس المحكمة التي تتولى محاكمة القضاة وأعضاء النيابة العامة.

إضافة إلى ذلك، فلا يجوز رفع الدعوى الجزائية على أحد رجال الضبط القضائي أو موظف عام لجريمة وقعت منه أثناء تأدية وظيفته أو بسببها إلا بإذن من النائب العام أو من يفوض بذلك من المحامين العامين أو رؤساء النيابة ويجب صدور الإذن في أحوال القصاص والدية والأرش وفي أحوال القذف إذا تقدم المجني عليه بالشكوى وأصر عليها. 

أما الأحوال التي يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى الجزائية أمام المحكمة في غير ما تقدم، فهو أن يكون بناءً على شكوى المجني عليه، أو من يقوم مقامه قانوناً في الأحوال الحصرية الآتية:-

1. في جرائم القذف والسب وإفشاء الأسرار الخاصة والإهانة والتهديد بالقول أو بالفعل أو الإيذاء الجسماني البسيط.. ما لم تكن الجرائم وقعت على مكلف بخدمة عامة أثناء قيامه بواجبه أو بسببه. 

2. في الجرائم التي تقع على الأموال فيما بين الأصول والفروع والزوجين والإخوة والأخوات. 

3. في جرائم الشيكات.

4. في جرائم التخريب والتعييب وإتلاف الأموال الخاصة وقتل الحيوانات بدون مقتضى أو الحريق غير العمدى وانتهاك حرمة ملك الغير وكذلك في الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون. 

أما إذا تعدد المجني عليهم، فيكفي أن تقدم الشكوى من أحدهم، وإذا تعدد المتهمون وكانت الشكوى مقدمة ضد أحدهم، تعتبر أنها مقدمة ضد الباقين في تسويغ التحقيق للنيابة معهم. 

هذا وينقضي الحق في الشكوى فيما هو منصوص عليه في المادة (27) بعد مضي أربعة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة أو بارتكابها أو زوال العذر القهري الذي حال دون تقديم الشكوى ويسقط الحق في الشكوى بموت المجني عليه. 

أما المادة (30) من ذات القانون، فقد نصت على أنه في جميع الأحوال التي يشترط القانون فيها رفع الدعوى الجزائية تقديم شكوى لا يجوز اتخاذ إجراءات التحقيق فيها إلا بعد تقديم هذه الشكوى. 

أخيرا، فانه يجوز لمن له الحق في الشكوى في الحالات المنصوص عليها في المادة (27) أن يتنازل عنها في أي وقت. 

ثالثا: في إقامة الدعوى الجزائية من المحكمة:

نظمت المواد من (32-35) من القرار الجمهوري بالقانون رقم (13) لسنة 1994م بشأن الإجراءات الجزائية اليمني موضوع إقامة الدعوى الجزائية من قبل المحكمة، بحيث أجازت للمحكمة الابتدائية في دعوى مرفوعة أمامها إذا اقتنعت أن هناك متهمين غير من أقيمت الدعوى عليهم أو وقائع أخرى غير المسندة فيها إليهم أو أن هناك جريمة مرتبطة بالتهمة المعروضة أمامها فعليها أن تحيلها إلى النيابة العامة لتحقيقها والتصرف فيها طبقاً للباب الثالث من الكتاب الثاني من هذا القانون، وإذا صدر قرار بإحالة الدعوى إلى محكمة جاز للمحكمة إحالتها إلى محكمة أخرى وإذا كانت المحكمة لم تفصل في الدعوى الأصلية وكانت مرتبطة مع الدعوى الجديدة ارتباطاً لا يقبل التجزئة جاز إحالة القضية كلها إلى محكمة أخرى. 

كما أن لمحكمة الطعن الاستئنافية عند نظر الاستئناف نفس الصلاحيات المقررة في المادة السابقة ويجوز في هذه الحالة أن تكون الإحالة إلى محكمة ابتدائية أخرى غير التي أصدرت الحكم المستأنف ويكون النقل في جميع الأحوال بقرار من رئيس المحكمة طبقاً للقانون. 

هذا ويكون للدائرة التي تنظر الموضوع بناءً على الطعن في المرة الثانية في المحكمة العليا نفس الصلاحيات المقررة في المادتين السابقتين. 

أخيرا، فقد رخص المشرع اليمني لمحكمة الموضوع في حالة نظر الدعوى، إذا وقعت أفعال من شأنها الإخلال بأوامرها أو الاحترام الواجب لها والتأثير في قضائها أو في الشهود وكان ذلك في صدد دعوى منظورة أمامها أن تقيم الدعوى الجزائية على المتهم طبقاً للمادتين (32 ، 33) وتقضي فيها. 

رابعا: انقضاء الدعوى الجزائية وعدم سماعها:

تناولت المواد من (36-42) من ذات القانون، حالات انقضاء الدعوى الجزائية وعدم سماعها، فنصت على أن الدعوى الجزائية تنقضي بوفاة المتهم عدا حالات الدية والأرش ورد الشرف إذا حدثت الوفاة أثناء نظر الدعوى ولا يمنع ذلك من الحكم بالمصادرة إذا كانت الأشياء المضبوطة التي ظهرت بسبب الجريمة من التي يعد صنعها أو استعمالها أو حيازتها أو بيعها أو عرضها للبيع جريمة في ذاتها ولو لم تكن الأشياء ملكاً للمتهم، كما ينقضي الحق في سماع الدعوى الجزائية بمضي المدة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

أما في الجرائم الجسيمة، فينقضي الحق في سماع الدعوى الجزائية بمضي عشر سنوات من يوم وقوع الجريمة فيما عدا الجرائم المعاقب عليها بالقصاص، أو تكون الدية أو الأرش إحدى العقوبات المقررة لها وفي الجرائم غير الجسيمة بمضي ثلاث سنوات من يوم وقوع الجريمة كل ذلك ما لم ينقطع التقادم وفقاً للمادة (40)، على ان يراعى عدم سريان الإيقاف على التقادم في الدعوى الجزائية، بل تقام، وإذا مضت المدة سقطت. 

كما أن المدة بإجراءات التحقيق الجدية أو المحاكمة وكذلك بالأمر الجزائي أو بإجراءات الاستدلالات الجدية إذا اتخذت في مواجهة المتهم تنقطع، وتسرى المدة من جديد ابتداءً من انتهاء الانقطاع وإذا تعددت الإجراءات التي تقطع المدة فان سريانها يبدأ من تاريخ آخر إجراء. 

أما المادة (41) فقد نظمت حالات تعدد المتهمون، وهو ما يملي أن يكون انقطاع المدة بالنسبة لأحدهم يرتب كذلك انقطاعها بالنسبة للباقين. 

أخيرا، فلا يجوز تحريك الدعوى الجزائية، ويتعين إنهاء إجراءاتها إذا كانت قد بدأت في إحدى الأحوال الآتية:

أ- عند عدم وجود جريمة. 

ب- إذا لم تتوافر عناصر الجريمة. 

ج- عدم بلوغ سن المسائلة الجزائية.

د- لسبق صدور حكم في القضية غير قابل للطعن. 

هـ- لسبق صدور قرار بالأوجه لإقامة الدعوى واستنفاذ طرق طعنه. 

و- صدور عفو عام أو خاص. 

ز- وفاة المتهم. 

ح- بانقضاء الدعوى بالتقادم. 

خامسا: في الادعاء بالحقوق المدنية

خصص المشرع اليمني المواد من (43-63) لموضوع الادعاء بالحقوق المدنية، بحيث أجاز لكل من لحقه ضرر من الجريمة رفع الدعوى المدنية مهما بلغت قيمتها بتعويض الضرر الناشئ عن الجريمة أمام المحاكم الجزائية لنظرها مع الدعوى الجزائية. 

كما أجاز أيضا مباشرة الدعوى المدنية بصفة مستقلة عن الدعوى الجزائية وفي هذه الحالة يجب وقف الفصل فيها حتى يحكم نهائياً في الدعوى الجزائية المقامة قبل رفعها أو في أثناء السير فيها وللمحكمة أن تقرر ما تراه من الإجراءات الاحتياطية المستعجلة المناسبة لحماية المضرور، على أنه إذا أوقف الفصل في الدعوى الجزائية لإصابة المتهم بعاهة عقلية يفصل في الدعوى المدنية. 

أما إذا رأت المحكمة أن تدخل المدعى بالحقوق المدنية يؤخر الفصل في الدعوى الجزائية جاز لها أن تقرر تأجيل نظر الدعوى المدنية إلى ما بعد الفصل في الدعوى الجزائية أو النظر فيها على حده. 

هذا ويحصل الادعاء مدنياً إما في الشكوى التي تقدم إلى النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي وإما بإعلان المتهم وفقاً لأحكام قانون المرافعات. 

كما يجوز أن يتم في الجلسة المنظورة فيها الدعوى إن كان المتهم حاضراً وإلا وجب تأجيل الدعوى وتكليف المدعى بإعلان المتهم بطلباته. 

فإذا كان قد سبق قبوله في التحقيق بهذه الصفة فإحالة الدعوى الجزائية إلى المحكمة تشمل الدعوى المدنية. 

كما يجوز للنيابة العامة أو المحكمة المرفوعة أمامها الدعوى الجزائية إذا كان من لحقه ضرر من الجريمة فاقد الأهلية، ولم يكن له من يقوم مقامه قانوناً أن تعين له وكيلاً ليدعى بالحقوق المدنية نيابة عنه. ولا يترتب على ذلك في أية حالة إلزامه بالمصاريف القضائية. 

وترفع الدعوى المدنية بتعويض الضرر على المتهم بالجريمة إذا كان بالغاً وعلى من يمثله إن كان ناقص الأهلية فإن لم يكن له من يمثله جاز للمحكمة أن تعين له من يمثله أو أن تكتفي بتمثيل النيابة العامة له.

كما يجوز رفع الدعوى المدنية أيضاً على المسئولين عن الحقوق المدنية عن فعل المتهم وللنيابة العامة أن تدخل المسئولين عن الحقوق المدنية ولو لم يكن في الدعوى مدع بحقوق مدنية للحكم عليهم بالمصاريف المستحقة للحكومة. 

هذا ولم يسمح المشرع اليمني برفع دعوى الضمان أمام المحاكم في الدعاوي الجزائية، ولا أن يدخل في الدعوى غير المدعى بالحقوق الجزائية، ولا أن يدخل في الدعوى غير المدعى عليهم بالحقوق المدنية والمسئولين عنها والمؤمن لديهم. 

كما أن للمسئول عن الحقوق المدنية أن يتدخل من تلقاء نفسه في الدعوى الجزائية في أية حالة كانت عليها وللنيابة العامة والمدعى بالحقوق المدنية المعارضة في قبول تدخله. 

أما المادة (50) من ذات القانون، فقد أوجبت على المدعى بالحقوق المدنية أن يعين له موطناً في البلدة الكائن فيها مقر المحكمة ما لم يكن مقيماً فيها ويكون ذلك بتقرير في دائرة الكتاب والأصح تسليم الأوراق إليه بتسليمها إلى هذه الدائرة. 

وعلى المدعى بالحقوق المدنية أن يدفع الرسوم القضائية وعليه أن يودع مقدماً الأمانة التي تقدرها النيابة العامة أو المحكمة لمواجهة أتعاب ومصاريف الخبراء والشهود وغيرهم وعليه أيضاً إيداع الأمانة التكميلية التي قد تلزم أثناء سير الإجراءات. 

ولكل من المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية والنيابة العامة أن يعارض في الجلسة في قبول المدعى بالحقوق المدنية إذا كانت الدعوى المدنية غير جائزة أو غير مقبولة وتفصل المحكمة في المعارضة بعد سماع أقوال الخصوم. 

هذا، ولا يمنع القرار الصادر من النيابة العامة في مرحلة التحقيق بعدم قبول المدعى بالحقوق المدنية من الادعاء مدنياً بعد ذلك أمام المحكمة. 

كما لا يترتب على القرار الصادر من المحكمة بقبول الدعوى المدنية بطلان الإجراءات التي لم يشترك فيها لمدعى بالحقوق المدنية قبل ذلك. 

أما القرار الصادر من النيابة العامة بقبول المدعى بالحقوق المدنية، فلا يلزم المحكمة المرفوعة أمامها الدعوى. 

ويجوز رفع الدعوى المدنية على المؤمن لديه لتعويض الضرر الناشئ عن الجريمة أمام المحكمة التي تنظر الدعوى الجزائية وتسرى على المؤمن لديه جميع الأحكام الخاصة بالمسئول عن الحقوق المدنية المنصوص عليها في هذا القانون. 

وتنقضي الدعوى المدنية بمضي المدة المقررة في القانون المدني لعدم سماع الدعوى.. ومع ذلك لا تنقضي الدعوى المدنية الناشئة عن الإخلال بأحكام الباب الثاني من هذا القانون فيما يتعلق بحماية حريات المواطنين. 

وإذا انقضت الدعوى الجزائية بعد رفعها لسبب من الأسباب الخاصة بها فلا تأثير لذلك في سير الدعوى المدنية المرفوعة معها. 

هذا وأجازت المادة (56) من القانون المذكور للمدعى بالحقوق المدنية أن يترك دعواه في أية حالة كانت عليها الدعوى ويلزم بدفع المصاريف السابقة على ذلك مع عدم الإخلال بحق المتهم في التعويضات إن كان لها وجه.

وبغير الأحوال المنصوص عليها قانوناً، فانه لا يترتب على ترك الدعوى المدنية تعطيل الدعوى الجزائية أو وقف سيرها. 

ويعتبر تركاً للدعوى عدم حضور المدعى أمام المحكمة بغير عذر مقبول بعد إعلان لشخصه أو عدم إرساله وكيلاً عنه، أما إذا ترك المدعى بالحقوق المدنية دعواه أثناء نظر الدعوى الجزائية، فيجوز له أن يرفعها على استقلال، ما لم يكن قد صرح بالتنازل عن الحق موضوع الدعوى. 

هذا ويترتب على ترك المدعى بالحقوق المدنية دعواه أو عدم قبوله مدعياً بحقوق مدنية استبعاد المسئول عن الحقوق المدنية من الدعوى إذا كان دخوله فيها بناء على طلب المدعى بالحق المدني. 

أما إذا رفع من لحقه ضرر من الجريمة دعواه بطلب التعويض إلى المحكمة ثم رفعت الدعوى الجزائية بعد ذلك جاز له إذا ترك دعواه الأولى أن يدعى مدنياً أمام المحكمة التي تنظر الدعوى الجزائية وليس له في هذه الحالة تجديد دعواه أمام المحكمة المدنية ما لم تقرر المحكمة الجزائية ذلك. 

أخيرا، فقد أوجب المشرع على محكمة الموضوع ان تتبع في الفصل في الدعوى المدنية التي تنظر تبعاً للدعوى الجزائية الإجراءات المقررة في القانون رقم (13) لسنة 1994م بشأن الإجراءات الجزائية، على أن يكون للمتهم أن يطالب المدعى بالحقوق المدنية أمام المحكمة بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب رفع الدعوى المدنية إذا كان لذلك وجه.

التسميات:

التحقيق في جرائم القتل وفقا للقانون اليمني

التحقيق في جريمة قتل - خطوات عملية

=============================
بعد الاخبار عن وقوع جريمة قتل شخص يكون التحقيق عنها حسب طبيعة ارتكاب الجريمة ومكانها ووضوح هوية فاعل الجريمة وهوية المجنى عليه ويجري التحقيق واتخاذ الاجراءات اللازمة وفق الحالات التالية :-

يكون فيها الفاعل متلبس بالجريمة وقد تم القبض عليه و تسليمه لاقرب مركز شرطة او جهة تحقيقية , يقوم المحقق او مسؤول الشرطة بالانتقال فورا الى محل الحادث واتخاذ الاجراءات الاصولية التحقيقية الابتدائية فيما يتعلق بالكشف على محل الجريمة من ضبط الاشخاص الموجودين والحصول منهم على المعلومات المهمة حول كيفية وقوع الحادث والسلاح الذي ارتكبت به الجريمة وظروف واسباب وقوعها ووقتها وفاعلها الحقيقي والمشتركين في ارتكابها ان وجدو ا والعمل على ضبط الالة الجرمية المستعملة في الجريمة او اية الة وجدت في محل الحادث...

 ومن المحتمل ان تكون هي الالة المستعملة في ارتكاب الجريمة و ما موجود من دماء او شعر او ملابس او اي شئ اخر, قد يتعلق بالجاني المتهم شخصيا تركت منه وقت وقوع الحادث , والقيام بجمع الظروف الفارغة للاطلاقات المستعملة في الجريمة الموجودة في محل الحادث ان كان الجريمة وقعت باطلاق عيارات نارية وبيان عدد الاصابات ومحلها في جسم المجنى عليه الظاهرة , ومن ثم طلب حضور خبراء الادلة الجنائية الى محل الحادث الجنائي لنقل طبعات الاصابع واثار الدماء والقطع البشرية ومن اثار الشعر والملابس وغيرها من امور واشياء من اثار مهمة متروكة في محل الجريمة . لاجراء الفحوصات اللازمة لناكيد مطابقتها مع ظروف الجريمة واحوال المجنى عليه مع اعتراف المتهم بارتكابه الجريمة .

ومن ثم ارسال الجثة الى الطب العدلي لبيان سبب الوفاة وما طلبه المحقق من امور تتعلق بالجريمة في استمارطلب التشريح لبيان سبب الوفاة , ويتوقف عمل المحقق حسب نوع مكان الحادث اذا ما كان في محل سكن او في داخل المدينة او في العراء خارج المدينة ,

تدون مباشرة اقوال الجاني المقبوض عليه وافادات الشهود الحاضرين وقت وقوع الحادث - وتقدم كافة الاوراق التحقيقية المعززة بالكشوفات الى القاضي التحقيق الذي يقوم بدوره بتدوين افادة واعتراف المتهم بارتكابه الجريمة . ثم يتم اكمال الاجراءات التحقيقية حسب ما يقرره قاضي التحقيق المختص .

 وفي حالة اذا كان القاتل المجرم مجهولا وقد تمكن من الهرب بعد ارتكابه الجريمة ينتقل المحقق بعد وصول الاخباراليه بوقوع الجريمة الى محل الحادث ويتخذ الاجراءات اللازمة كما ورد اعلاه, ويتاكد من هوية القتيل ومحل اصاباته ومن سبب وفاته والالة المستعملة في الجريمة ومن التاكد من وجود مخلفات تعود للجاني من ملابس او من اثار طبعات اصابع او اثار اقدام او من دماء او من شعر وغير ذلك مما قد تكون عائدة له بعد مطابقتها مع الاشاص الذين يشتبه بارتكابهم الجريمة , والبحث عن المعلومات المهمة التي توصل الى معرفة الفاعل من الحاضرين او من اشخاص اخرين لهم معومات عن معرفة المجنى عليه ومن احتمالات واسباب وقوع الجريمة .

واذا كان المجنى عليه مجهول الهوية وفاعل الجريمة مجهولا فقد تكون الجريمة اكثر غموضا من غيرها . وعلى المحقق ان يبحث علىاي شئ من الاوراق والمستمسكات في محل الحادث الدالة على هويته او صنعته او محل اقامته .

 او اية مستمسكات في سيارة المجتى عليه ان كانت موجودة في محل الحادث – وتسجيل رقم سيارته ونوعها وطرازها واخذ الصور لها ولمكان الحادث من قبل الخبير الفني المختص., ومن التاكد من وقوع الحادث في نفس المكان الذي وجدت فيه الجثة وما هي الاثارالتي تم العثور عليها , واذا ثبت ان الجريمة واقعة في مكان اخر واحتمال وقوعها خارج المنطقة تعمم اوصاف الجثة على كافة مراكز الشرطة لمعرف طبيعة الاخبارات الملائمة لاوصاف الجثة والذهاب الى الطب العدلي لتشخيصها من قبل ذوي المجنى عليه والمخبرين عن فقدانه .

وفي هذه الحالة ضرورة تثبيت وقت العثور على الجثة وطبيعة الاصابات الظاهرة وعلاماتها .والطلب من الطب العدلي بيان سبب الوفاة وتاريخ حصوله لمعرفة الفارق الزمني بين اكتشاف الجثة ووقت الوفاة – ووقت وقوع جريمة القتل .

 
 واذا كان المتهم قد انكر ارتكابه الجريمة بعد ان تم القبض عليه بالتحري ومن استقصاء المعلومات من قبل المحقق ومن تعاون المواطنين بذلك , فيكون المحقق امام مسؤولية مهمة في بيان ملابسات الجريمة ومعالم حقيقتها وما هو دور المتهم في ارتكابها والعوامل الدافعه له بها من خلال الادلة والبراهين ومن تقارير الخبراء الفنيين ومن استمارة التشريح , التي جميعها تشير بكل وضوح الى ان المتهم المقبوض عليه بهذه الاسباب يكون هو الفاعل ومرتكب الجريمة سواء قداعترف بها ام لم يعترف واصر على انكاره لها ويحال بقرار قاضي التحقيق الى المحكمة المختصة لمحاكمته وفقا للقانون –

 قد تقع جريمة القتل مع جريمة السرقة المنوي ارتكابها وبسببها لغرض اتمام عملية تنفيذ السرقة اذا ما حصل مقاومة من قبل المجنى عليه للدفاع عن نفسه وماله مما يستلزم ضبط المسروقات ونوعها وعددها وبيان اماكن ومحل وجودها والطريقة التي تم سرقة تلك الاموال ونوع السلاح والالات الي استعملت في القتل والسرقة ومعرفة كيفية الدخول الى الدار الذي وقع فيه الحادث او في اي مكان اخر ونوع الاثار التي تركت في محل الحادث من طبعات اصابع واقدام ومن اي اثر اخر يشير الى هوية الجناة والاسلوب الاجرامي الذي استعمله الجناة او الجاني في ارتكابه الجريمة المتداخلة بين القتل والسرقة وغيرها من الملاحظات المهمة التي يراها المحقق في مكان ومحل وموقع الجريمة , سواء كان ذلك في محل سكني او في العراء او في داخل المدن .وقد يصاحب ايضا وقوع جريمة السرقة الاعتداء الجنسي على احدى النساء والاقدام على قتلها احيانا عند المقاومة والممانعة الشديدة لمواجهة الجناة وما له من اثارخاصة يستلزم معاينتها وتثبيتها بدقة وناكيد حصولها واقعيا ومن خلال الفحص الطبي ان تطلب الامر ويقتضي هنا المحافظة على كتم مثل هذه الوقائع للمحافظة على سمعة اهل الداروعدم افشاءها واطلاع الغير عليها .وغيرها من الجرائم الاخرى التي يرتكبها الجناة حسب ما تهوى نفوسهم المريضة الاجرامية البغيضة

من ذلك نفهم بكل وضوح ان التحقيق في الجرائم الجنائية يتوقف على :-

اولا- جسامة الجريمة وطريقة ارتكابها ومكان ارتكابها ,


ثانيا- على دوافعها سواء كانت مادية او لثار سابق او لباعث شريف او مقترنة بجريمة اخرى _

ثالثا – على عدد الجناة ودوافعهم واسباب اشتراكهم في قضايا سلب او خطف او انتقام لثار او دافع معين اخر او نتيجة لحادث عرضي .

رابعا- على دور المواطن من التعاون مع الاجهزة الامنية والتحقيقية في تقديم المعلومات المهمة المتعلقة في ارتكاب الجريمة واسباب ودوافع وقوعها ومعلومات عن كيفية وقوعها والاشخاص المتهمين بها وخاصة من قبل المخبرين السريين .

خامسا – على حقيقة الاخبار عن دوافع وقوع الجريمة او عن كيفية وقوعها وقد يبدوا ان الوفاة كان انتحرا ولكن في الحقيقة هو حصول القتل ثم جرى تعليق الجثة للتضليل على الجريمة.-- وقد يبدوا ان الوفاة بسبب الحريق ولكن في الحقيقة ان القتل حصل قبل الحريق ثم تم افتعال الحرق للتضليل على الجريمة -- اوقد يبدوا من الاخبار ان الحادث دهس كان سببا للوفاة ولكن في الحقيقة كان قد تم قتل المجنى عليه قبل ذلك ثم تم بعدها عملية دهس المجنى علية للتضليل على الفعل الجرمي ,, وغيرها من الاخبارت الاخرى التي يتطلب التاكد من صحتها حتى لا تضيع جهود وتذهب معالم الجريمة الحقيقية ويفلت الجاني من العقاب .

سادسا- دور التقارير الطبية وتقارير خبراء الادلة الجنائية الفنية ومدى دقتها وتحديدها علاقة الاثار المعثور عليها في مكان الجريمة مع شخصية المتهم بها حصرا . وقطع دابر الشك في حقيقة انهامه استنادا الى تلك التقارير مع باقي الادلة الاخرى المتحققة في التحقيق .

سابعا- سرعة الانتقال الى محل ارتكاب الجريمة يساعد ذلك على اكشاف اكثر ما يمكن من معالم الجريمة ومعرفة ظروفها ودوافعها من خلال ما يعثر عليه من اثار مادية مهمة تتعلق بالمجنى عليه وبفاعل الجريمة الحقيقي .ومما يحصل المحقق من معلومات حي من الاشخاص الذين كاتوا حاضرين وقت وقوع الجريمة وكاتوا قريبين منها ومن الاشخاص الذين لدهم معلومات مهمة عن الجريمة .ومن تمكنه من تحديد اتخاذ الاجراءات الضرورية للقبض على فاعل الجريمة او الفاعلين الشركاء ,وكثير ما يحصل ذلك لدى المحقق ومن تمكنه من القبض على الجاني بساعات من قت ارتكاب الجريمة او في قت قصير بعد ما تمكن من الوصول الى موقع الجريمة بالسرعة اللازمة وهناك شواهد عديدة على ذلك,

من ذلك نفهم مدى ضرورة سرعة انتقال المحقق الى موقع ومسرح الجريمة عامل مهم جدا يغني عن بذل جهود كبيرة فيما لو تاخر الوصول الى محل الحادث لان ذلك يعطي للمجرم الوقت الكافي للهروب ومن اضاعة كثير من الادلة المادية المهمة من مسرح الجريمة التي قد تتعرض الى اخفاءها بصورة متعمدة لضياع معالمها او نتيجة اعمال فردية غير مقصودة في محل الحادث.وكذلك يفقد الخبراء الفنيين قدرتهم من اعطاء التقارير الفنية اللازمة بصدد اثار الجريمة ان كانت ملوثة باثار اخرى لا علاقة لها بفاعل الجريمة وقد تكون من نتيجة تدخل اشخاص في محل الحادث والتلاعب باثارها دون دراية باهميتها ومن ضرورة المحافظة عليها كطبعات الاصابع والاقدام واثار الدماء والشعر والملابس وغيرها . ان سرعة القبض على الجناة فاعلي الجرائم بصولرة عامة مما تلقي اثرها الكبير على نفوس اولا اهل الضحية من خلا معرفة الفاعل مرتكب حريمة قتل المجنى عليه وتقديمه للعدالة لينال الجزاء المناسب لعمله الاجرامي . وكذلك حصول اطمئنان المواطنين على امنهم من خلال ثقتهم بقدرة الاجهزة التحقيقية والامنية والقضائية من ردع المجرمين بارتكابهم الجرائم باسرع وقت ممكن

 وتكون اشارة والتضحة لكل من تسول له نفسه ان يفكر بارتكابه مثل تلك الجرائم فانه سيلاقي اجهزة فعالة وكفوءة من اكتشاف امره واخذ الجزاء العادل باسرع وقت ليكون عبرة للاخرين – هذا هو المقصود من اهمية الاهتمام بالتحقيقات الجنائية وخاصة في حوادث القتول على اختلاف انواعها وحوادث السرقات والخطف والتعدي الجنسي وفي كل ما يهدد حياة المواطنين عموما في البلاد وعلى امنهم واستقرارهم – ومن اهم تلك الاجراءات هو الانتقال الى مسرح وقوع الحوادث بالسرعة اللازمة فور وصول الاخبارالى الجهات المعنية بالتحقيق فيها وفقا لاصول الاجراءات التحقيقية اللازمة لها...

التسميات:

الثلاثاء، 7 مارس 2023

بحث قانوني حول الفاعل المعنوي وفقا لقانون الجرائم والعقوبات اليمني

 بحث قانوني حول الفاعل المعنوي في الجريمة وأساس حكمة وتبين مدلوله ومعناه،


 وكذلك تبين صورة وأشكاله، وموقعة في النظرية العامة للمساهمة الجنائية خطة البحث المبحث الأول حقيقة الفاعل المعنوي _المطلب الأول/ تعريف الفاعل المعنوي وأساس أحكامه _المطلب الثاني/ صور الفاعل المعنوي _المطلب الثالث/ موقع الفاعل المعنوي في نظرية المساهمة الجنائية المبحث الثاني جريمة الفاعل المعنوي _ المطلب الأول/ أركان الجريمة التي ينهض بها وصف الفاعل المعنوي _ المطلب الثاني/ المسئولية الجنائية للفاعل المعنوي _ المطلب الثالث/ تطبيقات  أحكام الفاعل المعنوي المبحث الثالث نظرية الفاعل المعنوي في التشريعات المقارنة _ المطلب الأول/ نظرية الفاعل المعنوي في التشريعات غير العربية _ المطلب الثاني/ نظرية الفاعل المعنوي في التشريعات العربية _ المطلب الثالث/ نظرية الفاعل المعنوي في الفقه والتشريع الإسلامي الخاتمة قائمة المراجع الفهرس المبحث الأول حقيقة الفاعل المعنوي تمهيد: يتعلق هذا المبحث بدراسة تعريف الفاعل المعنوي وأساس حكمة وتبين مدلوله ومعناه، وكذلك تبين صورة وأشكاله، وموقعة في النظرية العامة للمساهمة الجنائية وعليه سيكون المبحث مقسماً إلى ثلاثة مطالب هي: المطلب الأول/ تعريف الفاعل المعنوي وأساس أحكامه المطلب الثاني/ صور الفاعل المعنوي. 
 المطلب الثالث/ موقع الفاعل المعنوي في نظرية المساهمة الجنائية. المطلب الأول تعريف الفاعل المعنوي وأساس أحكامه تمهيد: إن الفاعل المعنوي للجريمة الجنائية يعد مساهماً أصلياً فيها نظراً لسيطرته وظهور سيادته على عملية الجريمة، بما يشكل من السيطرة الكاملة في سير عملية الفعل الإجرامي، بحيث أن نتيجة الإجرامية أثراً مباشراً لفعل الواسطة التي استخدمها واتجاه قصده إلى ذلك وعليه سنبين في هذا المطلب تعريف الفاعل المعنوي مع الإشارة إلى تعريفه في نصوص بعض التشريعات المقارنة وسنبين أساس أحكامه وعليه فسوف نقسم هذا المطلب إلى فرعين على النحو التالي: الفررع الأول/ تعريف الفاعل المعنوي: لا يقتصر فاعل الجريمة على من يستخدم أعضاء جسمة في ارتكابها، أي لا يقتصر على الفاعل المادي الذي قام بنفسه بتنفيذ الفعل المكون لعناصر الركن المادي للجريمة، وإنما ينسحب أيضاً على من يسخر غيره في تنفيذ هذا الفعل فهو من عمل على إبراز عناصر الجريمة إلى حيز الوجود، وهو ما يطلق عليه في الفقه المقارن (الفاعل المعنوي) أو (الفاعل بالواسطة) أو ( الفاعل غير المباشر) بالنظر إلى صورة الفاعل العادية(1). وقد عرف فقهاء القانون الفاعل المعنوي بأنه " من يسخر غيره في تنفيذ الجريمة فيكون في يده بمثابة آلة أو أداة ستعين بها في تحقيق العناصر التي تقوم عليها كيان الجريمة(2). فالفاعل المعنوي قد نفذ جريمة لكن بيد غيره لا بيده، والشخص الذي استخدمه الفاعل المعنوي لا يعلم أو يدرك أنه يقترف جريمة جنائية ولم يكن أهلاً للمسئولية. فالشخص الذي يدفع مجنوناً بتحريشة على شخص أخر حيث يقوم هذا المجنون نتيجة هذا التحريش وبناءً عليه بارتكاب جريمة قتل، يكون من دفعه فاعلاً لهذه الجريمة. فالتعريف الذي ذكرناه سابقاً، قد أوضح معني الفاعل المعنوي واشتمل على العناصر الكلية الدالة على معني الفاعل المعنوي، فنبه إلى إرادة الفاعل التي تتجه إلى أحداث النتيجة وهو دلالة على الركن المعنوي للجريمة، وذكر أن الشخص الذي نفذ الجريمة قد استخدم كالآلة وهو دلالة على الركن المادي، وقولة والذي يقوم عليها كيان الجريمة دلالة على علاقة السببية والنتيجة الإجرامية، وهذا التعريف لم يكن كافياً ولا شاملاً ولا مانعاً، فلم يدل إلا على بعض صور الفاعل المعنوي وهي استخدام الشخص عديم المسئولية. ولقد عرف القانون الإيطالي لعام 1930م الفاعل المعنوي في المادة (111) بأنه " من حمل شخاً غير أهل للمسئولية الجنائية أو غير خاضعاً للعقوبة بسبب ظرف أو صفة خاصة به على ارتكاب جرم يسأل شخصياً عن هذا الجرم مع تشديد العقوبة"، كما نص في المادة(86) على إنزال منزلة الفاعل الأصلي من وضع شخصاً في موضع أفقده وعيه وإدراكه بقية حمله على ارتكاب الجرم. ونرى  أن تعريف القانون الإيطالي بمادتيه المذكورتين قد كان شاملاً كاملاً لجميع صور الفاعل المعنوي وهذا  التعريف هو الذي نرجحه حيث أنه تعريفاً مانعاً مشيراً إلى جميع صور الفاعل المعنوي. أما القانون الكويتي فقد عرف الفاعل المعنوي في المادة(47) الفقرة الثالثة بقولة "يعد فاعلاً للجريمة من حرض على ارتكابها شخصاً غير أهل للمسؤولية الجنائية أو شخصاً حسن النية"، وقد جانب الصواب بذكره لفظ حرض في التعريف حيث قد خلط بين المحرض والفاعل المعنوي الذي يعد مسيطراً على الجريمة ويكون هو الذي أبرز عناصر الجريمة إلى حيز  الوجود حيث أن له السيادة في الجريمة ولم يكن من استخدمه إلا كالأداة أو الآلة في تنفيذ إجرامه، أما المحرض فهو سماهماً تبعياً يوجه تحريضه إلى شخص مدرك وعالماً بما سيفعله وما سينتج عنه فيكون فاعلاً اصلياً لأنه نفذ بإرادته واختياره ولم يكن عمل المحرض إلا مساعداً له. فالفاعل المعنوي الذي يدفع مجنوناً لارتكاب جريمة الاغتصاب يعد هو الفاعل الأصلي لتلك الجريمة لأن المجنون عديم الإرادة والإدراك والاختيار فيكون كالأداة بيد الفاعل المعنوي، وكان يجب على المشرع الكويتي أن يذكر بدلاً عن لفظ حرض لفظ دفع أو حمل أو وجها ليفرق بين المحرض والفاعل المعنوي، أي بين المساهم التبعي والمساهم الأصلي. كما ورد في المادة(47) من قانون العقوبات العراقي بقوله" أنه يعتبر فاعلاً معنوياً إذا كان هذا الشخص غير مسئولاً جنائياً لأي سبب كان وقد جاء هذا التعريف بألفاظ عامة غير محددة. وقد ذكر القانون الجزائري في المادة(45) وقانون المغرب في المادة(131) " من حمل شخص لا يخضع للعقوبة بسبب وضعه أو صفته الشخصية على ارتكاب جريمة(1) وأيضاً هذا التعريف لم يوضح جميع صور الفاعل المعنوي. ونحن بدورنا نعرف الفاعل المعنوي بأنه" الشخص الذي يحقق بقصده نتيجة إجرامية بتسخيره شخصاً غير أهلاً للمسئولية أو حسن النية واستخدامه كالأداة في تنفيذ الجريمة الجنائية أو وضع السبب المحدث لتلك النتيجة الإجرامية، بحيث يكون صاحب السيادة والسيطرة على عملية الجريمة. وبذلك نكون قد عرفنا أن الفاعل المعنوي لا يمكن أن يرتكب أفعالاً مادية تنفيذية باستخدام أعضاء جسيمة، وألاّ عد فاعلاً مباشراً، وإنما استخدم واسطة للوصول إلى النتيجة التي قبلها ورغب في حدوثها وهذه الواسطة قد تكون شخصاً عديم المسؤولية مجنون أو صغير، أو قد يكون حيواناً، أو قد يكون شخصاً حسن النية ينتفي القصد الجنائي لدية تماماً، وقد يكون وضع السبب المهلك الذي لا يقوى على فعل شيء إلا بتدخلاً من الغير المجني عليه أو شخصاً أخر حسن النية. ونمثل لما ذكرنا بالشخص الذي يدفع مجنوناً أو طفلاً على أن يستل خنجراً ويطعن به رجل، أو يصوب مسدساً ويطلق به عياراً فإن إرادة هذا المجنون أو الطفل مريضة وقاصرة لا ترقى إلى مرتبة الإرادة السليمة الطبيعية التي تدرك نتائج ما سيحصل وعاقبة هذا الفعل، فالشخص الدافع هو فاعلاً للجريمة ولكن معنوياً. ومثال الفاعل المعنوي الذي يستخدم شخصاً حسن النية الطبيب الذي يطلب من الممرضة أن تعطى للمريض جريمة على أنها دواء وهي لا تعلم بأن ما أعطاها الطبيب سماً مهلك، ومثله الشخص الذي يرسل رجلاً بكوباً من العصير لشخص أخر وهذا الشخص المرسل لا يعلم بأن ما يحمله سماً مهلكاً للشخص الأخر، فإن حدثت النتيجة الإجرامية مما سبق فيكون الطبيب والشخص المرسل هما فاعلين لجريمة القتل معنوياً. ومثال الفاعل المعنوي الذي يستخدم السبب المهلك الطالب الذي ترقب أستاذة مراراً وعرف مواعيد دخوله وخروجه إلى الكلية وعند تواجد الاستاذ داخل الكلية قام بربط سلكاً بمادة متفجرة على مفتاح السيارة المملوكة للاستاذ، حيث أن هذا المتفجر لا نستطيع أن نقول له سيحقق نتيجة إجرامية إلا باستخدام الغير وهو هنا المجني عليه الأستاذ، فهذا السبب قاصراً عن أن يقوم باحداث أي نتيجة إجرامية، فعند استخدام الاستاذ بقيامة بفتح الباب تنفجر السيارة، ففعل الانفجار للأستاذ والسيارة هو الفعل الإجرامي ووفاة الأستاذ أو إصابته بجروح بالغة وتحطيم سيارته هي فعلاً النتيجة الإجرامية. وكذلك من يعد شراباً ويضع فيه سماً، ثم يضعه على الطاولة بقصد أن يشربة فلان من الناس قاصداً بذلك قتله ، فإن هذا الشراب لا يقوى مع السم المخلوط فيه على إتمام الفعل المجرم مع نتيجته إلا بتدخل من الغير ، وهنا قد تدخل المجني عليه الذي قام بأخذ الشراب من على الطاولة وهو لا يعلم بأن ما سيتجرعة فيكون واضع السم هو القاتل. وبذلك تكون قد عرفنا أن الفاعل المعنوي قد يتخذ طرق ووسائل متعددة لارتكاب الجرم المعاقب عليه من قبل الشارع، فهو بتوجيهه صار فاعلاً أصلياً، لأنه يعلم بعلم اليقين أن ذلك التوجيه سوف يحدث نتيجة إجرامية من جريمة سترتكب بناءً عليه، وقد انصرفت إرادته إلى تحقيق ذلك ويكون قد اكتمل الركن المعنوي للجريمة الجنائية، وقد اكتمل المادي بصدور التوجيه والدفع والتسخير للواسطة الذي نفذ الجريمة، وقد وجدت علاقة السببية التي تربط بين هذا التوجيه والدفع والتسخير لشخص لا توجد لدية الإرادة الكافية ولا العلم الكافي في ارتكاب الجريمة وبين النتيجة الإجرامية التي حصلت. أي لولا هذا الدفع والتسخير الذي يغلب عليه السيطرة الكاملة لما حدثت تلك النتيجة(1). ولكن مدلول الفاعل المعنوي كما أوضحنا سابقاً قد لا يتفق مع بعض الجرائم ولا يتناسب معها، فلا يمكن مثلاً أن تعتبر المرآة التي تدفع بمجنون جنسي إلى اغتصاب غيرها، فاعلة معنوياً لجريمة الاغتصاب بحيث يقال عنها في وصف القضية وقت إحالتها إلى المحكمة الجنائية أنها في يوماً معيناً وساعة معينة ومكان معين اغتصبت المرآة المجني عليها. وكذلك جريمة تزوير الموظف في محرر رسمي، تستلزم في فاعلها صفة الموظف الرسمي، ولهذا فإن الفرد العادي غير الموظف لا يمكن أن يكون فاعلاً ولو معنوياً لها حتى ولو سخر في تزوير المحرر الرسمي موظف مجنون(1). وقد يستعمل الشخص المعنوي طرقاً أخرى مثل قيامة بإطلاق حيواناً على شخص فيقتله أو يجرحه حيث وقد درب هذا الحيوان على ذلك فمن يطلق كلباً على شخص فيقتل هذا الكلب الشخص الموجة إليه يكون من أطلقه هو المسئول عن جريمة القتل لأن فعله هو الذي وجه الواسطة_ الكلب_ لإحداث النتيجة الإجرامية التي وقعت من فعل هذا الكلب ويكون الفاعل المعنوي مسئولاً مسئولية كاملة عن هذه الجريمة وعن نتيجتها. وكذلك من يضع شخص في موضع أفقده وعيه وإدراكه بقية حمله على ارتكاب الجرم يكون مسئولاً عن هذا الجرم مسؤولية كاملة. ونمثل لذلك من يحرش مجنوناً على شخص بقصد قتل هذا المجنون فيقوم الشخص الموجه ضده بالدفاع عن نفسه مما يؤدى إلى قتل المجنون يكون من وجهة هو الفاعل لجريمة القتل معنوياً. الفرع الثاني/ أساس أحكام الفاعل المعنوي: لقد عملت القوانين كقاعدة عامة على المساواة بين الوسائل التي يتصور أن يستعين بها الجاني في ارتكاب جريمته. أي أنها قد حرمت استخدام كل وسيلة يتخدها الجاني للوصول إلى قصده الإجرامي. أي أنه لا يتطلب استعانته بأعضاء جسمة في كل الاحوال التي تتطلبها مادية الجريمة، والقانون يجرم كل فعل يعد ارتكاباً إلى محضوراً ولو كانت الأداة التي استعملها الفاعل جماداً، أو حيواناً يدربه الجاني على فعل ما يغني عن حركة أعضاء جسم الجاني(1) ولو عن طريق إنسان غير أهلاً للمسؤولية أو حسن النية أو وضع إنسان في ظروف جعلته لا يتمالك نفسه في التمييز بما يفعله: وبذلك تقوم هذه الفكرة على الأسس التالية: _ الأساس الأول/ تستند هذه الفكرة التي تصور الشارع قيام الجريمة إذا ما استعان الجاني على تنفيذها بأداة ، ثم المساواة لما يستخدمه الفاعل من أدوات ، ويكون الإنسان الذي ليس له إرادة كالأداة تستوي بالجماد. _ الأساس الثاني/ تدعم النظرية الشخصية في المساهمة فكرة الفاعل المعنوي للجريمة، حيث تعتبر هذه النظرية ضابط التمييز بين الفاعل والشريك قائماً على أساس من توافر "نية الفاعل" التي تفترض إرادة السيطرة على المشروع الإجرامي. فمن توافرت لدية هذه النية، عد فاعلاً للجريمة(1). _ الأساس الثالث/ ارتباط النتيجة المتكونة من الجريمة ارتباطاً وثيقاً ,بحيث لولا فعل الدفع والحمل الذي وجهة الفاعل المعنوي لما كان للجريمة أي وجود ولكانت عدم لا اثر لها وانعدام إرادة الواسطة التي استخدمها .(2) ويكون بذلك مستحقاً للعقاب المقرر للجريمة التي ارتكبت بسببه ,كونه سبب وجودها ,وهو الذي ابرز عناصرها إلى حيز الوجود . _ الأساس الرابع / لم يعتبر الفقه الجنائي الفاعل المعنوي محرضاً ولا مساعداً ولا يعد بذلك شريكاً، ومادام كذلك وقد اعتبروه مساهم فهو مساهم اصلي . المطلب الثاني صور الفاعل المعنوي للجريمة الجنائية تمهيد: سنبين في هذا المطلب الصور والأشكال التي يتخذها الفاعل المعنوي لارتكاب الفعل المجرم من قبل الشارع وإحداثه بذلك النتيجة الإجرامية المحضورة التي صار بالتوجيه الذي رسمه فاعلاً أصلياً ومسئولاً مسؤولية كاملة عن العقوبة المقررة لهذه الجريمة التامة. وسنبين هذا المطلب بالأربع الصور الآتية: (الصورة الأولى) أن المنفذ المادي للجريمة قد يتخلف لدية العلم أو الإرادة أو الإدراك أو تخلفها جميعاً في تحقيق الركن المادي للجريمة الجنائية ونوضح هذه الصورة بثلاث حالات على النحو التالي: _ الحالة الأولى/ تخلف العلم والإرادة والإدراك للمنفذ المادي لعناصر الجريمة:      وهذه الحالة تتحقق باستخدام الفاعل المعنوي شخصاً عديم المسؤولية_ الغير أو المجنون_ حيث يستخدم الفاعل المعنوي قاصراً غير مميزاً أو مجنوناً والذي يعد في نظر القانون غير أهلاً لتحمل المسؤولية الجنائية، ولا تتوافر لدية الإرادة الطبيعية فهو قاصراً عن التمييز بين الخير والشر. ومادامت هذه الإرادة والملكة لم تتهيأ وكانت معدومة وقت ارتكاب الفعل المحضور فإن عديم المسؤولية يكون كالأداة التي يستخدمها الفاعل المعنوي في ارتكاب الجريمة. وبالتالي فإن العقوبة كجزاء جنائي للشخص غير المؤهل لتحمل المسؤولية الجنائية لا تفلح في حملة على الإقلاع عن الإجرام بل قد تدفع به إلى طرق أخرى للإجرام والتوغل فيها والجزاء الملائم هو الذي يغلب عليه العلاج على الإيلام أي التدبير الوقائي في صورة الإيداع بمؤسسة إصلاحية.(1) ومن ثم فإن الشخص الذي دفع القاصر أو المجنون هو الذي يستحق العقوبة لأنه استخدم عديم المسؤولية كالأداة وهو وحدة المسيطر على عملية تنفيذ الجريمة، وهو من أبرز عناصر الجريمة إلى حيز الوجود ولم يكن الشخص عديم المسؤولية إلى أداة، فالرجل الذي يرسل قاصراً غير مميزاً أو مجنوناً إلى دكان ليأخذ له ــ معينة يكون مرتكباً لجريمة السرقة. والرجل الذي يدفع مجنوناً أو طفلاً في وضع متفجراً كسبب مهلك في سيارة عزيمة حق يأتي ويستخدم السيارة فتنفجر به يكون مرتكباً لجريمة القتل والرجل الذي يعطي المجنون أو الطفل سماً ليضعه في شراب أحداً لأشخاص الذي يتوفى عند شربة هذا السائل المخلوط بالسم فيكون فاعلاً معنوياً معطي السم. والرجل الذي يدفع طفلاً في احترام النار في مسكن المجني عليه يكون مرتكباً لجريمة الإحراق العمدي. والرجل الذي يحرش مجنوناً على اغتصاب امرأة فيفعل يكون فاعلاً لجريمة الاغتصاب. وكذلك الذي يستخدم الحيوان فإن هذا الحيوان لا يعقل ولا يدرك وليس له إرادة ولا علم ولا إدراك فيكون كالأداة ممن وجهة الذي يعد المسئول الأول والاخير عما نتج من فعل الواسطة. وبذلك يكون التنفيذ المادي في كل ما سبق ليس مباشراً من الفاعل بل عن طريق واسطة، بحيث تكون هذه الواسطة لا علم لها ولا إرادة وإدراك فالشخص عديم المسؤولية  لا يُسئل عما اقترفه جنائياً، فهو لا يعلم بما يصدر عنه من أفعال، ولا يعلم بأن هذه الأفعال سوف تسبب نتيجة إجرامية معاقباً عليها من قبل الشارع، ولم تتجه إرادته إلى تلك النتيجة ولم يكن مدركاً بقبولها أو الرغبة فيها نتيجة عدم تمييزه بين ما يحصل وما سيحصل وما ينتج وما سينتج من الأفعال التي ينفذها. _ الحالة الثانية/ تخلف العلم والإرادة لدى منفذ الجريمة المادي في تحقيق عناصر الجريمة مع وجود الإدراك لما يعمله وتتحقق هذه الحالة باستخدام الشخص حسن النية الذي لا يعلم شيئاً عن الصفة غير المشروعة لفعله ولا يتوافر لدية تبعاً لذلك قصد جنائي أو خطأ غير عمدي، وإنما يعتقد أنه يقدم على فعل مشروع فتخلف العلم والإرادة لدية فلم يرد بإرادته تحقيق نتيجة ولكن يتوافر لدية الإدراك لما يعمله فهو ليس كالمجنون أو القاصر غير المميز.(1) ومثال ذلك من يسلم شخصاً طعام أو شراب خالطته مادة سامة ويسأله أن يقدم هذا الشراب أو الطعام إلى المجني عليه فيفعل ذلك، فتقع جريمة القتل بالتسميم، فالشخص الذي قدم الطعام لا يعلم أن هذا الطعام مخلوطاً بالسم، فلو كان يعلم ذلك لأصبح هو الفاعل الأصلي للجريمة ولعزل الفاعل المعنوي وجعله مساهماً تبعي. ومن يطلب من خادماً أن يسلم له معطفاً أو شمطة في مطعم أو مقهى ويكون هذا المعطف أو الشمطة مملوكاً للغير والخادم لا يعلم بذلك، ويجيبه الخادم إلى ذلك، فيستولي عليه يكون بذلك قد اقترف جريمة السرقة ولو لم يعمل فعل الأخذ إلا بواسطة هذا الخادم. فالشخص حسن النية لا يتوافر لدية العلم والإرادة المتطلب لقيام الجريمة ويكون بذلك قد تخلف لدية القصد الجنائي وكذلك الخطأ فلو أن شخص(أ) يقصد قتل شخص أخر(ب) فقام وأعطى ابنه(ب) سماً على أنه دواء لوالدها(ب) وبعد تناوله هذا السم مات نتيجة لذلك، فيعتبر الشخص(أ) فاعلاً معنوياً لجريمة القتل وهو فاعلاً أصلياً لهذه الجريمة. فقد استخدم الابنة وهب\ي حسنة النية كأداة لتوصيل السبب المهلك فلا توجد إرادة ولا علم لدى البنت بما تحمله لوالدها أم لو وجد الخطأ في تصرف الابنة، كما لو كانت تعلم أن بين هذا الشخص(أ) ووالدها(ب) عداوة قديمة وأن والدها قد حذر الأسرة بأكملها من شر هذا الشخص تكون بذلك قد خالفت قواعد الحيطة والحذر التي يجب على الشخص العادي الذي لو وجد في مثل ظروفها ان يبتعد عن هذا السبب ويعتقد بأن هذا الدواء سماً قاتلاً، ففي هذه الحالة تسأل الابنة عن جريمة غير مقصودة في حين أن يُسأل الشخص(أ) عن جريمة قتل مقصود. ولما كان الشخص حسن النية منقاداً إلى الجريمة على نحو لا حول له ولا قوة ولا خيره له فيها ولا سبيل إلى تفاديها، كونه لا علم له ولا إرادة ولكن لدية الإدراك لما يعمله لأنه ليس كالشخص عديم المسؤولية_ المجنون أو الطفل _ وهو لا يملك إزاء هذه الجريمة الأقدام عليها إذا شاء، أو الأحجام عنها إذا شاء لأنه جاهلاً بأن العمل الذي يقود به بتأديته يشكل جريمة وإنما هو مُقدماً على ذلك لا محالة. وعلى ذلك يكون من العبث توقيع العقوبة عليه كجزاء جنائي.(1) حيث أن العقوبة هي لحمل الإنسان الذي اتجهت إرادته وضميره بفعل جريمة على ألا يعود أو يختار طريقها مرة أخرى، وهذا الشخص حسن النية ، لم يختر هذا الطريق ولم يشوب ضميره الاتجاه نحو الانحراف، لأنه لم يعلم كنه هذا العمل أنه سيؤدى إلى جريمة فلم يتوقع هذه النتيجة ولم يستطع أن يكون بإمكانه توقعها ولم يرغب بها بل مثل البراءة في فعله وإرادته وعلمه فيعد كالعدم أو الجماد الذي استخدمه الفاعل كأداة التنفيذ جرمه. ولكن هذا المنفذ المادي للجريمة مادام كذلك فلا يمكن أن نسميه فاعلاً بكل ما تعنيه هذه الكلمة، لأنه وإن تحقق على يديه الركن المادي للجريمة الجنائية لم يكن ركنها المعنوي قائماً في تفسه. فماذا نسميه إذن؟! لا نستطيع أن نسميه شريكاً في الجريمة فهو لم يقصد حتى المشاركة. فضلاً على أنه قد باشر الجريمة بنفسه(1) لا يبقى إذن سوى أن يسمى مساهم في وقوع الجريمة. ونحن نرى ان يطلق عليه اسم" الفاعل البرئ" للجريمة فقد استفرد بنفسه في تنفيذ عناصر الركن المادي للجريمة الجنائية و لأنه يقضى ببراءته إما لعدم أهليته للمسائلة الجنائية وإما لانتفاء القصد الجنائي لدية، وإما لتوفر سبب من أسباب الإباحة، وأما الفاعل المعنوي فيستحق هذا الوصف لأنه وجه شخصاً كالأداة وهذا الواسطة لا يعد إلا ناقلاً لفعله والذي تولى السيادة والسيطرة بتوجيهه وقصده. الحالة الثالثة/ وجود اعلم والإدراك لدى المنفذ المادي للجريمة الجنائية وتخلف الإرادة لدية بسبب الفاعل المعنوي للجريمة، وهذه الحالة تتحقق بقيام الفاعل المعنوي بإعدام الإرادة لدى منفذ الجريمة المادي بالإكراه المعنوي الملجئ الذي يكون الشخص فيه كالآلة لا يستطيع أن يدفع الضغط الموجه عليه من قبل الفاعل المعنوي. ونفرق بين الأكراه المادي الذي يعد فيه الشخص معدوم العلم والإرادة والإدراك فمن يدفع  بيدية شخص فيقع  هذا الشخص على أخر فيهلكه أو يتسبب في هلاكه فلا يكون المكره مادياً ألا كالشيء الجماد الذي استعمله الجاني في تنفيذ جريمته، أما المكره معنوياً فلدية علم بما يفعله وإدراك بذلك لكن الإرادة معدومة لدية. وسنوضح هذه الحالة بالفقرات التالية: 1)    أن يكره رجل بطريق الاجبار بالقوة بالتهديد امرأة حامل على الأجهاض، فهذا الإكراه المعنوي الملجئ الذي دفع المرأة الضعيفة إلى فعل الإجهاض الذي يعد جريمة، فهي في هذه الحالة تعلم أنها تحقق الركن المادي لجريمة الإجهاض، وتدرك ذلك ولكن إرادتها لم تنصرف إلى تحقيق هذه الفعل، فهو ليس فعلها من الناحية المعنوية، ولولا إكراه الفاعل المعنوي لما تحققت هذه الجريمة، ولا حدثت نتيجتها الإجرامية إلا بناءً على هذا الإكراه. 2)    أن يكره رجل أخر على الانتحار فينتحر هذا الشخص المكره نتيجة الإكراه المعنوي الملجئ الذي دفعه إلى ذلك مؤثراً على أن يموت بيده شخصياً على ان يحدث الموت على يد غيره. فهو يعلم في هذه الحالة أنه سيرتكب عناصر الركن المادي في جريمة القتل، ولدية الإدراك بذلك فيجب أن يكون في هذه الحالة قد طغى فعل المكره المعنوي على تصرف المكره، لأنه إذا لم يكن كذلك، إي إذا لم يكن هو السبب الرئيسي والوحيد في تحقيق هذه النتيجة فسيكون فعل المتنتحر نفسه هو الفاعل الأصلي وسيعزل المكره معنوياً إلى أن يكون شريك في الجريمة أو مساهماً تعبياً وقد يكون فعله مباح إذا كان فعل الانتحار غير مجرم لأن فعل المساهم التبعي مرتبط بفعل المساهم الأصلي. 3)    أن يكلف الرئيس مرؤوسة بتنفيذ أمر غير مشروع فينفذه المرؤوس ولكنه لا يعرف أن هذا الأمر غير مشروع ، أي أن هذا المرؤوس نفذ الأمر على أنه مشروع لأن رئيسه قد أمره بذلك، ولم تتجه إرادته إلى تحقيق جريمة أو أحداث نتيجة إجرامية، فهذا الشخص المأمور لدية العلم بما يعمله وهو تنفيذ الأمر ولدية الإدراك فلم يكن صغيراً أو مجنوناً ولكن إرادته لم تكن قاصدة إحداث النتيجة الإجرامية. (الصورة الثانية) أن تتخلف لدى المنفذ المادي للجريمة عناصر مادية أو معنوية تقوم بها الجريمة الجنائية ونقسم هذه الصورة إلى حالتين: الحالة الأولى/ تخلف العنصر المادي الشخصي اللازم للفاعل المادي للجريمة. ومثال هذه الحالة قيام الموظف العام بتكليف شخص عادي من الناس بتزوير المحرر الرسمي، فالتزوير في محرر رسمي يوجب توافر العنصر الشخصي والمادي فيمن يقوم بهذا التزوير في تحرير هذا المحرر الرسمي، فإذا حدث جريمة التزوير من شخص عادي ليس موظفاً رسمياً فلا تتوافر جريمة التزوير من موظف عام لمحرر رسمي، أما لو قام الموظف الرسمي ودفع شخصاً عاماً إلى تزوير يكون هو فاعل التزوير معنوياً وهو المسئول عن تنفيذ هذه الجريمة. (1) الحالة الثانية/ تخلف العنصر المعنوي الشخصي اللازم توافره في الفاعل المداي للجريمة الجنائية وهذه الحالة تتطلب في الفاعل وجود القصد الجنائي ممثلاً بالعلم والإرادة الشخصية لهذا الفاعل لقيامه بالجريمة المعاقب عليها. ومثال هذه الحالة تكليف مزارع خادمة لجلب الدجاج المملوكة للجار حيث وأن هذا الخادم لا يعرف بعدم مشروعية الأخذ أي تخلف لدية العنصر المعنوي الشخصي كونه لا يعلم أن المزارع يريده أن يسرق دجاج الجار ولو كان عالماً بذلك لعد فاعلاً أصلياً مع غيره المزارع(1). فلو نظرنا في الحالة الأولى لوجدنا أنه من الضروري لقيامها توافر العنصر المادي وهي صفة الموظف العموي فهذه الصفة قد تخلفت لدى المنفذ المادي حيث أنه رجل عادي من الناس لكنه قد كلف ممن توافرت لدية هذه الصفة الموظف العام وكذلك الحالة الثانية  نجد أنها تقوم على توافر العنصر المعنوي الشخصي لدى الفاعل  المعنوي وهو في المثال المزارع وقد تخلف هذا العنصر لدى المنفذ المادي الخادم. (الصورة الثالثة) هذه الصورة تتضمن قيام الفاعل المعنوي بوضع شخص ما في حالة دفاع شرعي أو غلط بحيث يعتقد هذا الشخص المنفذ المادي للجريمة بأن ما يوقم به مباح أو وضع شخص في موضع أفقده وعيه وإدراكه بغيمة حملة على ارتكاب الجريمة ونقسم هذه الصور إلى حالتين على النحو التالي: الحالة الأولى/ وضع المنفذ المادي للجريمة الجنائية في حالة دفاع شرعي: أي أن الفاعل المعنوي قدم أوجد الظروف التي جعلت المنفذ المادي للجريمة الجنائية في حالة يعتقد فيها بأن خطراً جسيماً سيحل به ويحتاج إلى استعمال الدفاع الشرعي لدرء هذا الخطر عن نفسه والذي رأى ان هذا الخطر حالاً وموشكاً على الوقوع. ونمثل لهذه الحالة قيام شخص يريد قتل مجنوناً بتحريش هذا المجنون ودفعه إلى الاعتداء على شخص أخر حيث يقوم هذا الشخص بالقيام بالدفاع عن نفسه لدرء خطر هذا المجنون بقتله، فيكون من أوجد هذه الظروف هو المسئول عن جريمة القتل وهو فاعلاً معنوياً لهذه الجريمة. الحالة الثانية/ وضع المنفذ المادي للجريمة الجنائية في حالة غلط حيث يقوم الفاعل المعنوي للجريمة بخلف الظروف التي لو وقع فيها الشخص العادي لتصرف كما تصرف المنفذ المادي للجريمة. ونمثل لهذه الحالة بقيام شهود الزور بأدلاء الشهادة الكاذبة يقصد أن يُحكم بإعدام المتهم البرئ حيث يقوم القاضي بإصدار حكم الإعدام وينفذ هذا الحكم بناءً على شهادة الشهود الكاذبة فيكونوا هؤلاء الشهود قد أوقعوا القاضي والسياق في غلط أدى إلى قتل شخص برئ حيث يعتبر الشهود فاعلين معنوياً لجريمة القتل العمد. ( الصورة الرابعة) هذه الصورة تتضمن قيام الفاعل المعنوي بوضع السبب المهلك الذي يفتقر لإحداث النتيجة الإجرامية إلى تدخلاً من الغير أو المجني عليه نفسه ونقسم هذه الصورة حالتين كمايلي: الحالة الأولى/ تدخل المجني عليه باستخدام السبب المهلك الذي وضعه الفاعل المعنوي حيث يعد هذا السبب قاصراً عن تحقيق أي جريمة او إحداث أي نتيجة إجرامية فهو يفتقر إلى تدخل المجني عليه. ونمثل لهذه الحالة ليتضح المقال بالآتي: قيام أحد الأشخاص ولندعية (أ) بوضع السم المهلك في عصير أو شراب ووضعه على الطاولة فلو نظرنا إلأى هذا الشراب المخلوط بالسم لوجدناه قاصراً على إحداث أي نتيجة إجرامية ولكن الشخص (أ) قد وضعه بقصد أن يشربه (ب) من الناس، ويقوم الشخص (ب) فعلاً بتجرع هذا الشراب دون أن يمنعه الشخص(أ) وإنما قد اتجهت إرادته إلأى إهلاكه فيحدث ذلك بالفعل فيكون (أ) فاعلاًلجريمة القتل معنوياً.(1) ويجب أن يكون السبب الذي وضعه الشخص المعنوي مرتبطاً بالنتيجة الإجرامية، وكذلك من وضع حاجزاً من الشبك على منزله وقام بايصال سلك الكهرباء ذو الضغط العالي إلى هذا الشبك بقصد إهلاك مكل من يقترب من منزله يكون مسئولاً عن الجريمة التي تحدث جراء ذلك التعدي. الحالة الثانية/ تدخل الغير الناقل للسبب إلى المجني عليه حيث يقوم الفاعل المعنوي للجريمة بوضع السبب المهلك بقصد نقله إلى المجني عليه، وهذا الناقل للسبب لا يعلم بأنه سيؤدى إلى جريمة ولو كان عالماً لعد هو الفاعل الأصلي(1) ومن أعطاه السبب شريكاً في الجريمة ونمثل لهذه الحالة ليتضح لنا البيان بالمثال التالي: قيام شخص بإعطاء عسلاً مخلوطاً بسماً مهلك لأحد الطلاب على أن يعطيه للأستاذ بقصد قتل الأستاذ الذي قام بنقله إلى البيت حيث قامت زوجته الكريمة بإعطائه للجيران الذي حلت بهم المصيبة وتوفى عدداً منهم، فنرى أن هذا السبب المهلك عاجزاً عن القيام بالاتجاه من ذاته لإحداث النتيجة الإجرامية، وإنما احتاج إلى تدخل الغير، فيكون من أعطا هذا السبب هو الفاعل المعنوي لجريمة القتل وهو الشخص الذي أعطا  العسل المخلوط بالسم في المثال السابق ، وكذلك واضع اللغم بالطريق العام أو في باب منزل أو سيارة، فذلك اللغم لا يحدث أي أثر مهما طالت فترة بقائه حتى يأتي من يدوس ذلك اللغم أو يفتح الباب الملغوم كمثال للحالة الأولى.(1) والقول بأن السبب بهذا التحرير هو الأمر الذي لا يحدث شئ من تلقاء نفسه حتى يأتي من يستخدمه بطريقة تؤدى إلى النتيجة يسلم إلى القول بأنه لابد أن يجتمع متسبب ومستخدم. فإذا أرسلت الزوجة طعاماً مسموماً إلى زوجها الحارس في مزرعته، بصحبه أحد الجيران، وكان ذلك الجار غير عالماً بما يحمل ذلك من سم فيعد هذا الجار حسن النية ولا يستل جنائياً، وتكون كل المسؤولية على الزوجة باعتبارها فاعلاً  معنوياً.(1) وهذا التسبب قد يكون عمداً، كمن ينصب في طريق المجني عليه فخاً بقصد قتله أو أصابته، أو يضع له سماً في طعامه بقصد قتله. وقد يكون غير عمداً أي خطأ، كمن يحفر حفرة أو يضع حجراً في الطريق دون أن يقصد الأضرار بالآخرين، وفي العمد شبة العمد والخطأ تنسب النتيجة لذلك المتسبب وفي كل الحالات تختلف المسؤولية. ومهما تعددت الأسباب وتنوعه، فغن المتسبب قد اعتبر لدى الفقه الجنائي فاعلاً أصلياً، غير أن بعضهم جعله مساهماً تبعياً لأنه لا يباشر بنفسه وبأعضاء جسمه تنفيذ الركن المادي للجريمة الجنائية، وهو بذلك قد عد فاعلاً معنوياً. ومن المؤسف أن مشرعنا اليمني عد التسبب من قبيل الخطأ مع أن مرتكب الجريمة بهذه الطريقة يكون قد فكر مليئاً وتوافر لدية القصد الجنائي الكامل مع سبق الإصدار والترصد، وكان من الأجدى به اعتبار التسبب من جرائم العمد. أما بالنسبة لجرائم الحدود فتسقط لوجود شبهة تسقط الحد وهي السبب الناقل لفعل الجاني. المطلب الثالث موقع الفاعل المعنوي في نظرية المساهمة الجنائية لو امنعا النظر إلى موقع الفاعل المعنوي في نظرية المساهمة الجنائية، لوجدنا أنه في المساهمة الأصلية للجريمة، وبالأخص يظهر بوضوح في الركن المادي لهذه المساهمة، فالفاعل المعنوي لا يمكن أن يعد مساهماً تبعياً لأنه لا يستمد فعله عدم المشروعية من فعل فاعل أصلي، بل يستمد فعله من ذاته. فهذا الفاعل قد نفذ الجريمة لكن بيد غيره فهو لم يستخدم أعضاء جسمه وإنما استعان بجسم غيره الذي لم يكن يعمل كشخص له في نظر القانون استقلاله ومسئوليته الخاصة به، ولكن كان كالآلة التي يوجهها الفاعل المعنوي. والقانون لا يتطلب ضرورة استعانة الجاني بأعضاء جسمه في إتيان الحركة العضوية التي تتطلبها ماديات الجريمة، بل أن استخدامه أداة منفصلة عن جسمه يستند بها في إمكانياته على تنفيذها، والقانون لا يميز بين هذه الأدوات ، فهي عنده سواء لا فرق أن تكون الأداة جماد أو حيوان يُدربه الجاني على ذلك، أو أن يكون إنساناً غير أهلاً للمسؤولية أو حسن النية ليس لشخصية استقلالها ولا لإرادته الإجرامية وجود. ويتجه الفقه إلى القول بأن دفع عديم الأهلية أو حسن النية إلى الفعل الذي يقوم به الركن المادي للجريمة أو معاونته في ارتكابه لا يعد أن يكون تحريضاً أو مساعدة في المدلول القانوني(1). فلا يكون مفر من اعتباره مساهماً أصلياً في الجريمة الجنائية ، ونظراً لما يتميز به الفاعل المعنوي من دور رئيسي وسيادة على وقوع الجريمة الجنائية فيعد مساهماً أصلياً في حدوث وتحقيق هذه النتيجة الإجرامية ولما يقوم به من دور فعال في تكوين الركن المادي للجريمة الجنائية. وبذلك لا يمكن أن نعتبر الفاعل المعنوي مساهماً تبعياً لأنه يختلف عنه من أوجه ونفصل ذلك الوجه التالي: إن التحريض هو بث فكرة الجريمة في ذهن الغير وخلق التصميم الإجرامي لدية، وتفترض هذه الرابطة علم طرفيها بالصفة الإجرامية للفعل وبالغاية المستهدفة به، ولا يستطيع أن يتصور أن تنشا هذه الفكرة، وأن يخلق التصميم الإجرامي إلا إذا وجه التحريض على شخص يستطيع أن يدرك دلالته الإجرامية وأن يقدر خطورة الأفعال التي يطلب منه الإقدام عليها. والمحرض هو من يزرع الفكرة الإجرامية في عقل شخص مدرك مختار بعده طرق: منها الإقناع على ارتكاب الجريمة، أو التهديد، أو الوعيد وهذا يستوجب توافر الوعي والإدراك والعلم بما سيرتكب من فعل وما سينتج عنه. ومن ثم تقتضي الملاحظة غلى أن الفاعل المعنوي للجريمة الجنائية الذي ينفذ جرمه بواسطة الغير هو صاحب المشروع الإجرامي، وليس المنفذ المادي للجريمة بينما في التحريض صاحب المشروع الإجرامي هو الفاعل الأصلي المدرك لما يفعله وبإرادته الحرة. وكذلك تعد المصلحة في التحريض هي للشخص المحرض الفاعل المباشر للجريمة، أما الذي يقوم بالتحريض فلا يوجد لدية مصلحة وإن وجدت لا تعد أن تكون مصلحة ثانوية غير رئيسية أما الفاعل المعنوي فتعد مصلحته رئيسية وهو صاحب المشروع الإجرامي(1). وكذلك المساعدة تفترض وجود رابطة ذهنية تجمع بين من ينفذ الجريمة وبين من يقدم له العون ، وتفترض هذه الرابطة أيضاً علم طرفيها بالصفة الإجرامية للفعل والغاية المستهدفة ، الأمر الذي يختلف تماماً في الفعل المعنوي الذي لا يوجد العلم لدى المنفذ المادي للصفة الإجرامية للفعل المرتكب. وكذا الشريك يختلف على الفاعل المعنوي للجريمة الجنائية أنه يقف وراء عملية التنفيذ ولا يجعل له على هذه العملية سيادة وسيطرة ، فإن موقف الفاعل المعنوي يختلف كونه صاحب المشروع والسيادة والسيطرة على الجريمة الجنائية لدرجة أن الإنسان الذي ينفذها مادياً يكون محض آلة مسخرة بين يديه(2) فمعنى ذلك أنها بينما تكون السيادة على عملية التنفيذ تكون في الفرض العادي ثانية للفاعل المباشر إذا ما قورن بالشريك فإنها في الفرض الخاص في الفاعل المعنوي تسير على العكس بالنسبة للشريك إذا ما قورن بالفاعل وقد يحدث تحول من الفاعل المعنوي إلى الفاعل المباشر في نفس الجريمة ومثال ذلك قيام الطالب بوضع السم على الشراب وقدمه للأستاذ يكون بذلك فاعلاً معنوياً لكن إذا رفض الأستاذ شرب هذا الشراب وقام الطالب وأجبره على الشرب يكون بذلك فاعلاً مباشر وبذلك اتضح لنا الفعل معنوياً والفعل مباشرة. فإذا نفينا عن نشاط الفاعل المعنوي أنه تحريض أو مساعدة أو اشتراك، واعترافنا في الوقت نفسه أنه مساهمة في الجريمة، فلا مقر أن تعتبره مساهماً أصلياً فيها. وقد يتعدد الفاعلين المعنويين حيث يشتركوا في عمل إجرامي ويكونون مساهمين أصليين في وقوع الجريمة الجنائية ونمثل لذلك قيام عدة أشخاص بدفع طفل ومجنون على ارتكاب جريمة القتل فيكونون فاعلين معنوياً لهذه الجريمة الجنائية، أو قيام عدد من الأشخاص  بتوجيه شخص حسن النية أو وضع شخص موضع يفقده صوابه مما يضطر لارتكاب جريمة أو وضع السبب المهلك من قبل هؤلاء المساهمين فيعدون فاعلين أصليين في ارتكاب الجريمة.  ونكون بذلك قد أوضحنا بأن موقع الفاعل المعنوي في نظرية المساهمة الجنائية مساهماً أصلياً في ارتكاب الجريمة الجنائية بحيث نجد أن النتيجة الإجرامية مرتبطة ارتباط وثيق بعمله حيث نقول لولا فعل هذا الفاعل لما وجدت جريمة أو تحققت النتيجة الإجرامية. المبحث الثاني جريمة الفاعل المعنوي تمهيد: يتضمن هذا المبحث دراسة جريمة الفاعل المعنوي من حيث أركان الجريمة التي ينهض بها وصف الفاعل المعنوي ومدى المسؤولية الجنائية للفاعل المعنوي عن هذه الجريمة وتطبيقات الجرائم التي يرتكبها الفاعل المعنوي وعليه سيتم تقسيم هذا البحث إلى ثلاثة مطالب على النحو التالي: المطلب الأول/ أركان الجريمة التي ينهض بها وصف الفاعل المعنوي: الركن المادي الركن المعنوي المطلب الثاني/ المسؤولية الجنائية للفاعل المعنوي: أساس المسؤولية العقوبة المطلب الثالث/ تطبيقات أحكام الفاعل المعنوي المطلب الأول أركان الجريمة الجنائية التي ينهض بها وصف الفاعل المعنوي تمهيد: تحديد أركان الجريمة الجنائية التي ينهض بها وصف الفاعل المعنوي إن لجريمة الفاعل المعنوي ذات الأركان التي تقوم عليها الجريمة وللجريمة أركان ثلاثة: ركناً مفترض وهو اركن وهو الركن الشرعي وقد اعتبره الفقه الجنائي ركناً لأنه ضرورياً لقيام الجريمة، وركن مادي، وركن معنوي، وهذه الأركان الثلاثة هي البنيان الأساسي لجريمة الفاعل المعنوي. وتفسير ذلك أن الفاعل المعنوي كمساهم أصلي في الجريمة الجنائية يسأل عن الجريمة، فيتعين أن تتوافر لدية جميع الأركان التي يتطلبها القانون لقيام الجريمة، أي يتعين أن يرتكب أو يكون عن طريقة ارتكاب كل أو بعض الفعل الذي يجرمه القانون، ويتعين أن تكون لفعله صفة غير مشروعة كامنة فيه، وبالإضافة إلى ذلك يتعين أن يتوافر لدية القصد الجنائي أو الخطأ غير العمدي الذي يتطلبه القانون لقيام جريمته. ويجب في دراستنا لأركان جريمة الفاعل المعنوي أن نحدد العناصر التي تميز بين مساهمته كفاعل أصلي وبين المساهمة التبعية ، فنجعل لها كياناً مستقلاً، ولا يتميز الركن الشرعي في جريمة الفاعل المعنوي كمساهم أصلي بأحكام مختلفة عن الأحكام العامة للجريمة التي يخضع لها ذلك الركن ولذلك لن نتعرض له بالبحث. وعلى هذا النحو نقتصر في هذا المطلب على دراسة الركن المادي والركن المعنوي: ( الفرع الأول) الركن المادي لجريمة الفاعل المعنوي يقوم الركن المادي للجريمة الجنائية التي يرتكبها الفاعل المعنوي على عناصر ثلاثة: الفعل والنتيجة الإجرامية وعلاقة السببية بينهما ولا تثير في موضوعنا هذا دراسة النتيجة وعلاقة السببية أي مشكلة فهما يخضعان للقواعد العامة، وعلى هذا النحو ، كانت دراسة الركن المادي لهذه الجريمة منحصراً في تحديد الفعل أو الأفعال التي يقوم بها الفاعل المعنوي لكي يعد فاعلاً بمعنى الكلمة. ونفترض في جميع صور الفاعل المعنوي في ارتكابه الجريمة الجنائية بقيامه بالدور الرئيسي والفعال(1) بحيث نقول لولا عمل هذا الفاعل لما وجدت جريمة أصلاً ولكن هذا القول غير صحيح على إطلاقه فقد توجد عوامل أخرى إلى جانب الدور الذي يقوم به الفاعل المعنوي بالأداة التي يستخدمها وهي الواسطة التي ينفذ بها جريمته. ولقد عرفنا أن الفاعل المعنوي هو من يسخر غيره في تنفيذ الجريمة فيكون في يده بمثابة الآلة أو الأداة يستعين بها في تحقيق العناصر التي يقوم عليها كيان الجريمة، فهذا الفاعل قد نفذ الجريمة فعلاً، لكن بيد غيره لا بيده، فهو لم يستخدم أعضاء جسمه ، وإنما استعان بجسم غيره الذي لم يكنه يعمل وقت اقترافه الجريمة كالشخص العادي الذي يحق مسائلته قانوناً، ولكن كان شبيهاً بالآلة تماماً والتي وجهة الفاعل المعنوي.(2) فهو يعلم ما الفعل الذي سينتج من هذه الواسطة_ الأداة _ وكان عالماً ما النتيجة من هذا الفعل، بحيث أراد لهذه النتيجة بالحدوث وقبل هذه النتيجة بل ورغب فيها. فقيام المنفذ المادي بتنفيذ عناصر الركن المادي والذي استخدمه الفاعل المعنوي الذي يعد مسيطراً وله السيادة في هذا التنفيذ فإطلاق المنفذ المادي الرصاص ، وقيامه بأخذ المال، وإعطاء السم فهو لا يدري شئ عن الصفقة غير المشروعة لفعلة ولا يتوافر لدية تبعاً لذلك قصد جنائي أخطأ غير عمدي، وإنما يعتقد أنة يقدم على فعلاً مشروع، مثال ذلك من يقوم بإعطاء شخصاً شراباً خالطته مادة سامة مخفياً عنة وجود هذه المادة داخل الشراب، ويسأله أن يقدمه للمجني علية فيفعل ذلك،وتقع جريمة القتل بالتسمم .ومن يطلب من طفلاً لم يتجاوز الثامنة من عمرة إعطائه مالاً مملوكاً للغير، ويفعل الصغير ذلك يكون قد ارتكب جريمة السرقة. ومن المتصور أن يكون المنفذ المادي للجريمة الجنائية هو المجني عليه نفسه ، ومثال ذلك أن يحمل شخصاً طفل أو مجنون على أن يمسك سلكاً يسرى به التيار الكهربائي، وهو عالماً بذلك ، فيترتب على ذلك وفاة الطفل أو المجنون فيكون الشخص الذي حمله على فعل ذلك هو الفاعل المعنوي لجريمة القتل، ومن يضع اللغم في طريق المجني عليه فيدوسه بقدمه يكون بذلك فاعلاً لجريمة القتل إذا حدثت الوفاة ، ومن يضع الشراب المخلوط بالسم أما المجني عليه ويتناوله المجني عليه مع وجود القصد الجنائي لدى من وضعه يكون فاعلاً لجريمة القتل إذا تحققت النتيجة. ونلاحظ في الأمثلة السابقة الفرق بين الفاعل المعنوي والفاعل مع غيره ، فالأول يسخر شخصياً كالأداة لتنفيذ ماديات الركن المادي للجريمة، في حين الثاني يتعاون مع شخص له إرادته ومسئوليته القانونية. ونظراً لأن الوسائل التي يستخدمها المجرم متعددة وكثيرة للوصول إلى هدفه الإجرامي، والقانون يقر المساواة التي تعتبر قاعدة عامة بين جميع الوسائل ، فقد يستخدم الجاني أعضاء جسمه في إتيان الحركة العضوية التي تتطلبها ماديات الجريمة، وقد يستخدم آلة أو أداة في سبيل ذلك وهذه الآلة قد تكون جماداً كالآلي والسكين والحجر وغيرها، وقد تكون حيواناً كمن يدرب كلباً على مهاجمة الناس ويوجهه إلى شخص فيقضى عليه فيكون من وجهه فاعلاً معنوياً للجريمة الجنائية ، وقد تكون هذه الآلة إنساناً وهذا الوصف لا يتناسب مع كرامة الإنسان (1) لأن الله قد منحه قدرات ما لم يمنحه لغيره من المخلوقات، ولكن إذا كانت هذه القدرات معطلة أو لم تعمل أو لم يستطع أن يستخدمها يكون شبيهاً بالآلة أو الأداة. والفاعل المعنوي عد فاعلاً أصلياً أو مساهماً أصلياً في وقوع الجريمة لأنه بتوجيهه ودفعه وحمله للواسطة يكون مسيطراً على هذا التوجيه حتى تتم النتيجة الإجرامية فهو من أبرز عناصر الجريمة إلى حيز الوجود. ولابد من وجود علاقة السببية التي تربط بين توجيه الفاعل المعنوي وبين حدوث النتيجة الإجرامية، أي لابد أن يكون عمل الفاعل المعنوي هو سبب عمل المنفذ المادي بحيث نقول لولا كذا لما كان كذا. ومادام أن هذه الواسطة سواء كانت شخصاً عديم المسؤولية أو حسن النية ، أو واقعاً تحت ضغط الظروف التي أوجدها الفاعل المعنوي متجه نحو تحقيق النتيجة الإجرامية بما ليس لها القدرة على التوقف أو الرجوع وإنما هي مسافة إلى العمل الإجرامي لا محالة، فإن من وجهها ودفعها إلى ذلك يكون مسئولاً عما تحدثه من نتائج ويكون هو الفاعل لهذه الأعمال والمحقق لتلك النتائج. وكما يتخذ نشاط هذا الفاعل المعنوي صورة تحريض ودفع الشخص عديم المسؤولية أو من توافر لدية مانع من العقاب فقد يتخذ صورة مساعدة هذا الشخص على القيام بعمل الفعل الذي تقوم عليه النتيجة الإجرامية، ومثال ذلك تصميم مجنون على قتل شخص، فيعطيه الفاعل المعنوي السم الذي يستخدمه في إهلاك ذلك الشخص ، أو أن يمنع الفاعل المعنوي المجني عليه من الفرار ليتمكن المجنون منه. ولا فرق بين الوسائل التي يتخذها الفاعل المعنوي في الوصول إلى قصده وإلى مبتغاة. (الفرع الثاني) الركن المعنوي لجريمة الفاعل المعنوي إن هذا الركن لا يثير أي صعوبة إذا كان الفاعل المعنوي هو المساهم الأصلي في ارتكاب الجريمة الجنائية، أي إذا كان هو الوحيد القائم بالدور الرئيسي في الإدارة والسيطرة والسيادة على تنفيذ الجريمة الجنائية. أما إذا تعدد المساهمون الأصليين في الجريمة، واختلفت الأفعال التي قام بها كل منهم في سبيل الوصول إلى النتيجة إلى الإجرامية إذا كانت أثراً لأفعالهم في مجموعها ، فإن تحديد اقصد الجنائي أو الخطأ غير العمدي، الذي يتعين توافره لدى كل مساهم يثير بعض الصعوبات.(1) _ القصد الجنائي: القصد الجنائي ممثلاً بالعلم والإرادة هو الأساس الذي يبنى عليه هذا الركن. فعلم الجاني بما هيه فعله وخطورته وأنه سوف يؤدى إلى الدخول في دائرة التحريم التي رسمها المشرع لبعض الأفعال التي تشكل جرائم مسببة الضرر للغير(2). وتوقعه حدوث النتيجة الإجرامية، فهو مدركاً بأن هذا الفعل سيؤدى إلى نتيجة إجرامية قد وضع لها الشارع عقوبة وقد مل من تسبب في تحقيقها مسئوليتها الجنائية. ثم أن هذا القصد إرادة وهذه الإرادة هي متجهة إلى الفعل بتحقيقه وإلى النتيجة بإحداثها. وعندما يكون الفاعل المعنوي هو من يأتي بالفعل أو تنفيذه للعمل الإجرامي عن طريق الواسطة الأداة التي استخدمها فهو يعلم بان الجريمة ستتحقق من هذا الفعل وان النتيجة ستحدث، وقد اتجهت إرادته إلى إحداث ذلك وقد قبل هذه النتيجة وكان راغباً في حدوثها. ويجب أن تنصرف عناصر هذا القصد الجنائي إلى كل ماديات الجريمة. وعلى هذا الأساس، نستطيع أن نحدد عناصر القصد الجنائي للفاعل المعنوي فنرى انه يجب أن يعلم هذا الفاعل بماهية الفعل الذي وجه الواسطة للقيام به وما مدى خطورته الإجرامية، وأن يتوقع نتيجته المباشرة وان تتجه إرادته إلى الفعل والنتيجة معاً. فإذا لم يتوافر لدى الفاعل المعنوي القصد الجنائي بعناصره السابقة جميعها(1)، فقد انتفى الركن المعنوي لدى الفاعل المعنوي وقد يشترك الفاعل المعنوي مع غيره من الفاعلين الأصليين سواءً كانوا فاعلين معنويين، كأن يقوم شخصين في توجيه أو دفع مجنون إلى قتل شخص أخر فينفذ هذا المجنون جريمة القتل بناءً على الدفع الموجه من الفاعلين المعنويين، ويكون مسئولين عن جريمة القتل ويجب في هذه الحالة توافر القصد الجنائي بعناصره كما وضحناها سابقاً لدى كلاً الفاعلين. وقد يشترك فاعلاً معنوياً مع فاعلاً مباشراً لارتكاب الجريمة الجنائية ويجب لهذه الحالة توافر القصد الجنائي لدى الفاعلين. ونمثل لهذه الحالة قيام شخص(أ) بالاتفاق مع (ب) على قتل الشخص(ج) حيث يقوم الأول(أ) يحمل مجنون على قتل(ج) ويقوم الثاني(ب) بالإمساك بالشخص(ج) حتى يتمكن المجنون من قتله. ويقتضي هذا التعدد توافر الإرادة الإجرامية لدى كلاً منهما ولكن مجرد توافر هذه الإرادة لا يعني ضرورة وجود القصد الجنائي في جميع الجرائم، فالإرادة المتجه غلى الفعل دون أن تتجه إلى نتيجته ليست قصداً جنائياً وإنما هي خطأ غير عمدي. المطلب الثاني المسؤولية الجنائية للفاعل المعنوي تمهيد: سنبين في هذا المطلب المسؤولية الجنائية للفاعل المعنوي للجريمة الجنائية، من حيث أساس هذه المسؤولية ومن حيث العقوبة المقررة للفاعل المعنوي ومدى ملاءمتها لفعله بالفرعين التاليين: (الفرع الأول) أساس المسؤولية الجنائية _ إن فكرة الفاعل المعنوي تعبر عن بلوغ سلوك المساهم فاعلية تجعل له في حدوث الجريمة دوراً أهم من دور منفذها المادي. _ وقد أجمع الفقه الجنائي والتشريع والاجتهاد على اعتبار منفذ الجريمة بواسطة الغير، وهو ما يدعى بالفاعل المعنوي مسئولاً مسؤولية كاملة عن الجريمة الناتجة من الواسطة التي استخدمها، لأنه من يبرز مباشرة عناصر الجريمة. وقد أسهم مباشرة في تنفيذ الجريمة بواسطة الشخص عديم المسؤولية أو حسن النية أو بوضعه السبب الذي يؤدى إلى حدوث الجريمة وتحقق نتيجتها، بحيث يكون للفاعل المعنوي السيطرة والسيادة على هذه العملية. ولكي نتعرف على مسؤولية الفاعل المعنوي عن الجريمة وأساس هذه المسؤولية يجب أن نعرف بالمقابل مدى مسؤولية الواسطة التي استخدمها هذا الفاعل المعنوي أي معرفة مسؤولية المنفذ المادي وتثور التساؤلات عن هذا الموضوع هل يستحق المنفذ المادي أن يسأل جنائياً عما اقترفت يداه؟ وإذا لم يعد أي مسؤولية للفاعل المادي للجريمة الجنائية. فماذا نسميه إذن؟ فهذا المنفذ المادي معدوم ومسلوب الإرادة الجنائية ومادام كذلك فلا يمكن أن يسمى فاعلاً بكل معنى هذه الكلمة، لأنه وأن تحقق على يديه الركن المادي للجريمة، فلم يكن ركنها المعنوي قائماً في نفسه. وكذلك لا نستطيع أن نسميه شريكاً في الجريمة إذ لم يكن له آن ذك أي قصد في ارتكابها، فصلاً على أنه بعمله قد تجاوز دائرة الاشتراك إلى حد تنفيذ الفعل المكون للجريمة نفسها(1). لا يبقى إذن سوى أن نسميه بالمساهم في وقوع الجريمة، وإن كان يقضى   ببراءته (2)، أي انتفاء المسؤولية الجنائية ، أو امتناع العقوبة أو وجود سبب إباحة لدية كما ذكرنا سالفاً في صور الفاعل المعنوي. وقد وصف الدكتور رمسيس بهنام هذا الفاعل في كتابه النظرية العامة في القانون الجنائي، فلم يعتبره فاعلاً مادياً لأنه لا يستخدم أعضاء جسمه وإنما وصفه بأنه" شريكاً لمساهم لا يستحق العقاب" ونحن ننفذ لفظ شريك لأن الفاعل المعنوي ليس شريكاً كما ذكرنا سابقاً بل يعد فاعلاً أصلياً حيث وقد استخدم الواسطة كالآلة. _ ولكي نتعرف اكثر على أساس هذه المسؤولية يجب أن نفرق بين الفاعل للجريمة والفعال فيها. فالفاعل للجريمة هو من ينفذ عملاً مباشراً من عناصر الركن المادي للجريمة ولو لم يكن فعله هذا كافياً لإحداث النتيجة الإجرامية أما الفعال في الجريمة هو الذي يعد فعله كافياً لإحداث النتيجة الإجرامية ويعد الفاعل المعنوي فعالاً في حدوث الجريمة لأنه لولا فعله لما تحققت النتيجة فضلاً على أنه صاحب السيادة والسيطرة على هذه العملية. وبذلك نكون قد أوضحنا أساس مسؤولية الفاعل المعنوي  الجنائية على أننا سندرس في الفرع الثاني العقوبة المقررة للفاعل المعنوي. ( الفرع الثاني) عقوبة الفاعل المعنوي لم تتضمن أغلب التشريعات الجنائية نصوصاً تحدد العقوبة التي تقررها لمن يساهم في الجريمة مساهمة أصلية مثل الفاعل المعنوي  فلم تقرر له التشريعات عقوبة محددة، ويرجع ذلك إلى وضوح القانون في شأن هذه العقوبة إلى الحد الذي يغني عن نصر يقرها، وذلك لقيام الفاعل المعنوي بالدور الرئيسي والفعال فيها فكان من الطبيعي أن توقع عليه العقوبة المقررة لهذه الجريمة ، ولم يكن متصوراً توقيع عقوبة أخرى عليه. وقد نهجت أغلب التشريعات بالقاعدة العامة التي ذكرناها أعلاه حيث وقد نص قانون العقوبات الأردني في مادته(75) على جعل عقوبة الفاعل المباشر للجريمة المرتكبة أي المنفذ المادي المدرك والعالم بها المتجه بإرادته لتحقيق النتيجة الإجرامية هي نفس العقوبة التي قررها للفاعل بالواسطة سواء بسواء، فلا فرق بين أن يكون قد استخدم أعضاء جسمه أو شخص عديم المسؤولية الجنائية أو حسن النية فيعاقبا بنفس العقوبة المقررة للجريمة الجنائية التي ارتكبت من  قبلهما.(1) وقد ذكر قانون العقوبات الكويتي مادة(47) الفقرة الثالثة باعتبار المحرض على ارتكاب الجريمة شخصاً غير أهلاً للمسؤولية الجنائية أو حسن النية، يكون مسئولاً عن العقوبة المقررة للجريمة الناتجة. كما أن قانون العقوبات الألماني في المادة(48) الفقرة الثانية والقانون البلجيكي في المادة(66) عقوبات، والقانون الدانمركي في المادة(23)، والقانون السويسري المادة(24)، والقانون الفرنسي في المادتين(59)،(60). وقد أنزلت المحرض منزله الفاعل المباشر المادي وإن لم تتعرض بصورة صريحة للفاعل المعنوي(2) إلا أن الاجتهاد لم يتردد في إنزال الفاعل المعنوي أو حتى الشخص الذي يتمتع بسلطة معينة منزله الفاعل الأصلي، متى ارتكب الواسطة الجرم بناءً على تعليماته أو لمصلحته أو في سياق الأعمال المكلف بها أو الإشراف عليها. ويستند الاجتهاد الفرنسي إلى بعض النصوص الواردة في قانون العقوبات الفرنسي كالمواد(89،92،94،95) فقرتها الثانية ، والتي تعتبر بمثابة الفاعل من ينفذ عناصر الجرم المادي بواسطة الغير سواء أ كان دافعاً أو محرضاً أو مسبباً في وقوع الجريمة. ومن ثم اعتبرت محكمة التمييز الفرنسي(1) فاعلاً معنوياً لجرم الاعتداء على الحق العام المزارع الذي حول الماء عن أرضه فتدفقت على أرض جارة مما حمل هذا الأخير على شق الطريق العام تصريفاً للمياة. وفي القانون اللبناني مادة(212) عقوبات يتسع لمفهوم الفاعل المعنوي أورد تعريف شامل ودل على الفاعل المعنوي ويرجع للعقوبة إلى القاعدة العامة التي ذكرناها في أول هذا الفرع

التسميات: